«الملاعين» كما وصفهم القرآن

ترددت كلمة «اللعنة» فى القرآن الكريم فى أكثر من موضع، والكلمة كما تعلم من الكلمات المرعبة التى تثير الذعر فى النفس ويقشعر بدن الفرد إذا رماه آخر بها، فما بالك بأفراد أو أقوام أو قرى وبلدان يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون.

الدعاء باللعنة على أحد هو من أكثر أشكال الدعاء قسوة، إذ يعنى تمنى العذاب النفسى والحرمان المادى للغير وحينما تحل اللعنة بفرد أو مجموع يصير أو يصيرون ميتين بالحياة: «ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى»، يحيون فى سياق معيشى مسموم، يعانون مرارة العيش، ربما تمنى بعضهم الموت ولا يجده، عذابهم فى الحياة متصل، إحساسهم بالقلق يتواصل ساعات الليل والنهار، لا يشعرون بطعم الأشياء، فلا طعام يشبعهم، ولا ماء يروى عطشهم، اللعنة تعنى تحول البشر إلى مخالب ينهشون بعضهم بعضاً.

هل تذكر العبارة التى كانت تتردد على لسان سليمان الناجى فى الحكاية الثالثة «الحب والقضبان» من حكايات الحرافيش؟ «لقد حلت اللعنة بعائلة الناجى»، لقد كان يصف ما انتهت إليه العائلة العريقة التى حكمت الحارة سنين طويلة بالقيم العليا للفتونة التى تجمع بين العدل والإنسانية والانتصار للضعيف ووضع المفترين الذين يعيشون إحساساً بغرور القوة عند حدهم.

هذه العائلة العريقة أصابها الوهن بعد أن هدَّ المرض والضعف كبيرها وفتوتها الذى ورث الفتونة عن أبيه شمس الدين وجده عاشور الكبير، وأصبحت سيرة سيداتها مضغة على ألسنة أهل الحارة، وضل شبابها وباتوا فى كل واد يهيمون، منهم مَن هام فى الخمَّارات، ومنهم من هرب وترك الأسرة والحارة، وسار فى بلاد الله لخلق الله.

لقد كان «سليمان» يصرخ بأن عائلة الناجى استحوذ عليها الشيطان، وباتت بعيدة عن رحمة الله، وذلك هو المعنى القرآنى للعنة فى تقديرى، فالشيطان هو أقدم ملعون فى تاريخ الحياة، وهو أكثر مخلوق التصقت به اللعنة منذ خلق آدم إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وقد طرده الله من الملأ الأعلى مصحوباً باللعنة. يقول تعالى: «قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ»، فالملعون هو شخص استحوذ عليه الشيطان (أصل اللعنة)، أما مظهر اللعنة الذى يتبدى على كل جانب من جوانب حياته، فيتمثل فى «البعد عن رحمة الله».

هذا المعنى تجده حاضراً فى تفسير «الطبرى» لقوله تعالى: «يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ»، فاللعنة هنا معناها البعد عن رحمة الله.

وتصاحب اللعنة الإنسان فى عدة أحوال، من بينها: نقض عهد الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد فى الأرض، مصداقاً لقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ».

الظالمون أيضاً ينتمون إلى الفصيلة البشرية الملعونة، مصداقاً للآية السابقة أيضاً: ««يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ»، وكذلك فإن الكافرين بنعم الله أيضاً من الملاعين: «فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ»، والكاذبون من الملاعين: «وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ».

هؤلاء هم الملاعين.