حرقوا أمى بـ«البنزين»

كتب: هيثم البرعى

حرقوا أمى بـ«البنزين»

حرقوا أمى بـ«البنزين»

{long_qoute_1}

تعيش حياة هادئة بمنزلها البسيط بقرية شيبة قش فى الشرقية، حياة لا تشوبها شائبة مع زوجها الرجل الكهل الذى أنجبت منه طفلها «سيف».. «فتحية» سبق لها الزواج وانفصلت عن زوجها الأول منذ 35 عاماً بعد زواج دام 3 سنوات فقط، بسبب خلافات أسرية لم يفلحا فى حلها، وأنجبت منه ابنتيهما «رشا وسميحة».

«فتحية إسماعيل» 55 سنة، كانت ربة منزل، إلا أنها لم تأل جهداً فى تدبير أمور حياتها والإنفاق على ابنتيها قبل زواجها من زوجها الثانى، فكانت تخدم بالبيوت، لتتحصل آخر اليوم على بضعة جنيهات تراها ملء الدنيا وتقنع بها وتعود إلى منزل والدها الذى لجأت له بعد طلاقها.

كبرت «رشا» وكذا «سميحة» وتزوجت كلتاهما، وطلبتا من والدتهما أن تستريح من عناء الدنيا وتستظل بظل رجل، وتقدم لخطبتها أحد رجال القرية، فوافقت وانتقلت للعيش معه ببيته البسيط على مساحة قيراط واحد، وأنجبت منه طفلها الأخير «سيف».

لم تخل الحياة من بعض المشاكل مع زوجات إخوتها، بسبب «كيد النسا»، فكانت دائمة التشاجر مع أحد أشقائها بسبب زوجته.. تركت هذه الخلافات أثرها حتى قُطعت الصلة بينهما تماماً.

على الجانب الآخر، تحسنت علاقة «فتحية» بجيرانها، كانت تفتح أبواب منزلها لهم، وتعطف على الفقير، وتطعم عابر السبيل، كانت معروفة بأنها «أم الكرم»، أحد جيرانها كان يمكث فى منزلها بصحبة زوجها باستمرار، حتى إن ابنتها «رشا»، تعجبت خلال إحدى زياراتها، وسألت والدتها «هو جارك دا مش عنده بيت؟»، لترد الأم بقولها إنها تحب التحدث إليه وإنها ترحب به فى بيتها، حاله كحال باقى الجيران.

«فتحية» بالنسبة لابنتيها «رشا وسميحة» هى الأم والأب، فقد انفصلت عن زوجها الأول وعمر الأولى كان عامين، وكان عمر الثانية شهراً واحداً فقط، عانت الكثير من أجلهما، وخدمت فى بيوت القرية لإسعادهما، دون كلل أو ملل، مدعية الراحة وحياتها لم تكن كذلك.

يوم الاثنين خضعت ابنتها «رشا» لعملية بالقلب بمستشفى بالقاهرة حيث تقيم مع زوجها، فى اليوم التالى تلقت اتصالاً من والدتها، تعتذر عن عدم الحضور إليها، بسبب شعورها ببعض الإرهاق، ووعدتها بأن تزورها يوم الخميس.. «يعنى إنتى هتيجى يا أما بجد ولا بتضحكى عليا؟»، ترد الأم «يا بت جاية وهروح يوم الأربعاء أجيبلك طيور من السوق»، واختتمت المكالمة دون أن تدرى أى منهما بأن آخر ما يجمعهما مكالمة هاتفية لم تزد مدتها على 4 دقائق.

يوم الأربعاء توجهت «فتحية» إلى سوق القرية، وعادت منه محملة بأنواع الطيور، عادت لمنزلها تتهيأ لرحلة اليوم التالى، لكن القدر كان يسوقها لمصيرها، على يد قاتل مجهول.

بعد أذان مغرب يوم الأربعاء الثانى من ديسمبر 2014، شعرت «فتحية» بالجوع فأرسلت ابنها «سيف» إلى مطعم مأكولات شعبية، ليحضر لها طعاماً، الجو بارد، والليل أسدل ستائره على القرية، تجلس «فتحية» وزوجها وجارهما، أمام حطب مشتعل أملاً فى الحصول على دفء يكون ملاذاً من البرد القارس، حتى حدث أمر ما.

مجهول اعتلى سور المنزل، وسكب «بنزين» على جسد «فتحية» الضعيف، وألقى كرة من النار عليها، ثم لاذ بالفرار، زوجها يهب من مكانه مذعوراً يحاول مساعدتها وإطفاء النيران التى تلتهم وجهها وتمتد إلى باقى جسدها، كمية من النيران تحرق وجه زوجها أثناء محاولاته اليائسة، تهرول «فتحية» فى أفعال لا إرادية ناحية جيرانها تطرق أبوابهم تحاول العثور على حل، حتى انقض أحد جيرانها على النيران المشتعلة، بغطاء من صوف، وضعه على وجهها، وانطفأت النيران، وتم نقلها لمستشفى السعديين بمركز منيا القمح تصارع الموت.

«إحنا غلابة محدش اهتم بينا فى المستشفى» هكذا تقول «رشا» ابنة المجنى عليها، وتضيف «مدير المستشفى مارضيش يجيبلى دكتور يبص على حالة أمى، وقالى إن الممرضة بتفهم أحسن من الدكتور».. ساعات قليلة مرت على «فتحية» داخل المستشفى تصارع الموت، تحدثت لابنتها «رشا» بقولها «إخواتى هما اللى قتلونى»، ثم لفظت أنفاسها وفارقت الحياة.

وتقول رشا «أنا قلت للضباط إن والدتى اتهمت إخواتها بقتلها، وهما قالولى إن مفيش دليل على حد فيهم، ووكيل النيابة قالى أنا مش لاقى متهم واحد بقتل والدتك، والتحريات بتقول إن مفيش خلافات بين والدتك وأى حد تانى.. أنا أمى ماتت والشرطة مش عارفة مين اللى قتلها وأنا مش عارفة ليه هى ماتت وسابتنى كده، هى كانت بتصرف عليا حتى وأنا متجوزة، هى كانت سندى فى الدنيا دى، هى ماتت على إيدى وفى حضنى، وأنا اللى غسلتها ودفنتها وخدت عزاها، بس ماخدتش حقها.. الله يرحمها».

وتتذكر «رشا» تفاصيل تلقيها خبر الوفاة بقولها: «أنا كنت فى بيتى مع زوجى ولقيت أخويا سيف بيتصل بيا ويقولى الحقى أمك اتحرقت، وجبت عربية ورحت أنا وزوجى من القاهرة على هناك، ووصلت البيت لقيت الجيران بيقولوا إن الإسعاف خدتها على مستشفى السعديين فى منيا القمح، ورحت على هناك بسرعة، وشفتها نايمة على السرير ومعرفتش أعملها حاجة ولا حد اهتم بينا».

ويقول أحد جيران المجنى عليها: إنه يتذكر المشهد الأخير من حياة «فتحية»، وإنه رآها والنيران مشتعلة فيها، وتهرول ناحية عدد من منازل الجيران، تحاول الاستغاثة بهم، لإطفاء النيران التى انتشرت فى باقى جسدها، بسبب البنزين المنتشر على ملابسها، وإن أحد الجيران تمكن من إطفاء النيران بواسطة وضع «بطانية» على وجهها وجسدها. وأضاف: «البطانية لما شلناها طلعت بالجلد بتاعها، والنيران تمكنت منها». وأكد أن المجنى عليها ليس لها خلافات مع أحد من جيرانها، وأنه علم مؤخراً بوجود خلافات قديمة مع زوجات أشقائها، لكنها ليست خلافات على ميراث».

«الوطن» تحدثت لمصدر أمنى بمديرية أمن الشرقية، وأكد أن الحادث وقع منذ 8 أشهر، وأن التحريات أثبتت عدم وجود خلافات للمجنى عليها مع أحد، وأن الخلافات التى كانت بين المجنى عليها وزوجات أشقائها لا تصل لهذه الدرجة من الانتقام، وكانت تخلو من الخلاف على ميراث. وأضاف المصدر، الذى طلب عدم ذكر اسمه، أنه سيتم فتح التحقيقات فى القضية حال ظهور أى أدلة جديدة تقود إلى جانٍ أو شاهد رؤية يُدلى بأوصاف لأى شخص يكون قد ارتكب الواقعة. وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية تعمل على قدم وساق من أجل بث الطمأنينة والأمن فى ربوع المحافظة، دون إخلال بواجبها فى قضايا القتل، مهما بلغت درجة غموضها.

 

 

رشا

 


مواضيع متعلقة