«جنين» على خُطى «غزة»

بلال الدوي

بلال الدوي

كاتب صحفي

في ما يبدو أنه اتفاق مُسبق بين «بنيامين نتنياهو» رئيس وزراء إسرائيل، و«بتسلئيل سموتيرتش» وزير المالية الإسرائيلي، ويقضي هذا الاتفاق السري -الذى ظهرت معالمه للعلن- بأن يوافق «سموتيرتش» على اتفاق الهُدنة مع حركة حماس على ثلاث مراحل، والذي على أثره يتم وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات مقابل عدم خروجه من الوزارة، على أن يتم فتح جبهة حرب أخرى في الضفة الغربية، وتحديداً في (جنين) والقيام بعملية عسكرية أطلق عليها (السور الحديدي)، وسيشارك فيها قوات الوحدات الخاصة والشاباك وحرس الحدود.

بالفعل لم يخرج «سموتيرتش» من الحكومة، ولم يستقل وتخلى عن التضامن مع زميله «إيتمار بن غفير» وزير الأمن الذي استقال وخرج من الحكومة. ومنذ اليوم الأول لاتفاق الهدنة وتم حشد قوات كبيرة جداً من الجيش الإسرائيلي على مشارف «جنين»، دخلت القوات «جنين» وعاثت في جنباتها وشوارعها ومؤسساتها ومنازلها فساداً وهدماً ودماراً، القتل لم يتوقف، الاعتقالات لم تتوقف، وتهجير الأهالي مستمر، يبدو أن مصير «جنين» سيكون هو مصير «غزة» نفسه، ويبدو أن خطة تدمير «غزة» التي تم تطبيقها هي نفسها التي يتم تطبيقها بالحرف في «جنين».

للأسف، مثلما صمت المجتمع الدولي على تدمير غزة ولم يُوقِف أحد إسرائيل، لم يتحرك أحد -حتى الآن- لإنقاذ «جنين» من التدمير الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي، بيانات إدانة وشجب فقط، لدرجة أن الأمم المتحدة أصدرت بياناً تُدين فيه ما يحدث في «جنين»، مشاهد الدمار على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، لم نهنأ بالفرحة التي انتابتنا بعد وقف القصف على قطاع غزة، وشعرنا بالصدمة من هول ما يرتكبه الجيش الإسرائيلي في «جنين».

الثابت لدينا أن ما يحدث في «جنين» من مجازر إسرائيلية سيؤثر -بطبيعة الحال- على سير المراحل الثلاث لاتفاق الهدنة، لكن وجود الأطراف الثلاثة الضامنة للاتفاق، وهي (مصر وقطر وأمريكا) ستحول دون إفشال الاتفاق. الجميع يطالب الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على نتنياهو من أجل إيقاف هدم وتدمير «جنين» وتهجير مواطنيه وتشريدهم بعد هدم منازلهم. مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرق الأوسط «ستيف ويتكوف» في اعتقادي أن مُهمته لم تنتهِ بعد، وما قام به من دور كبير في إتمام اتفاق الهدنة لا بد أن يتبعه دور أكبر في إيقاف المجازر التي يرتكبها «نتنياهو» في (جنين)، فالمجازر التي ارتُكبت فى غزة، حتى إن توقفت بعد تدخّلات «ترامب» و«ويتكوف»، فهي مجازر لن يمحوها التاريخ، والمجازر في جنين تحتاج إلى تدخلات عاجلة منهما معاً، الصمت إدانة لهما، الوقوف في مُدرج المشاهدين إدانة لهما، تدخّلات أمريكا ضرورة قصوى ومطلب من كل الدول التي أدانت ما يحدث في «جنين».

البعض يتساءل ويقول: متى تتوقف المجازر الإسرائيلية في غزة والضفة؟، متى يعمّ السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟، متى يعود الإسرائيليون والفلسطينيون لطاولة المفاوضات مرة أخرى من أجل الاتفاق على حل الدولتين؟، بالتأكيد هي أسئلة صعبة ومُعقّدة وتحتاج أولاً للنظر بدقة للأوضاع الداخلية الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء، وتحتاج إلى تحليل وضع حكومة نتنياهو وسلطة أبومازن وأهداف حركة حماس، وتحتاج إلى تحليل المشهد الدولي بكل توازناته وتحالفاته الجديدة، والأهم: تحليل الأهداف التي يسعى نتنياهو لتحقيقها في «اليوم التالي في غزة»، وما يريد تحقيقه في «جنين» التي ترتكب فيها مجازر، وأصبحت طاردة للمواطنين من عدم وجود مكان آمن فيها.

(جنين) هي مدينة الجنائن، اسمها باللغة الكنعانية (عين الجنائن) ويُقال عنها «مدينة الرجال الثوار»، وتقع شمال الضفة الغربية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتبعد عن القدس بنحو 75 كيلومتراً من ناحية الشمال، وتعتبر أراضيها الزراعية واحدة من أكثر المناطق خصوبة في الضفة الغربية وتشتهر بزراعة «الزيتون»، نفّذت فيها إسرائيل عدة اقتحامات من قبل خلال أعوام (2002- 2021).