هل تقلصت فجوة الخلافات لإنجاز الصفقة؟
رغم التكتم الذي يحيط بمفاوضات الاتفاق على صفقة لتبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل، لكن يبدو أنّ هناك تطورين حاسمين في ملف المفاوضات الصعب والمعقد بين إسرائيل وحماس، حدثا خلال الأيام القليلة الماضية، أولهما: أن حركة حماس وافقت على طلب إسرائيل تسليمها أسماء 34 أسيرا على ألا تفصح حماس عن مصير هؤلاء الأسرى ما إذا كانوا أحياء أو أمواتا، والثاني أن إسرائيل وافقت على طلب حماس إخلاء محور نتساريم الذي يقسم قطاع غزة إلى شمال وجنوب دون اتصال بينهما، لكن إسرائيل اشترطت أن تحل بعثة دولية من جهة ما في نتساريم مخولة لتفتيش الشبان الفلسطينيين العائدين من الجنوب إلى الشمال، بهدف الحول دون تهريب أسلحة أثناء العودة، وبالتالي عدم تمكين حماس من إعادة بناء قواتها أو هيكلها القتالي في شمال غزة الذي يُشكل مصدرا للتهديد على المدن الإسرائيلية من أسدود وحتى تل أبيب.
وهناك أيضا تطور ثالث مزدوج المعاني وهو تزايد إطلاق الصواريخ خلال الأسبوعين الماضيين من غزة باتجاه المستوطنات والمدن الإسرائيلية، وبقدر ما يشكل هذا خطرا على استمرار المفاوضات، بقدر ما يكشف للرأي العام الإسرائيلي الخداع الذي يمارسه نتنياهو بإعلاناته المتكررة عن إنجاز المهمة التي تكفل بها الجيش وهي القضاء على حماس، وإلغاء تهديدها لأمن وسلامة المواطنين الإسرائيليين.
من الواضح أن هناك ضغوطا متعددة الأطراف على إسرائيل لإنهاء هذا الملف وللوصول إلى صفقة يحتل فيها إطلاق سراح الأسرى الأولوية دون منازع، وقد ساهم الفيديو الذي نشرته حماس للمجندة الإسرائيلية قبل يومين، في غضب الرأي العام الإسرائيلي بالنظر إلى ما بدت عليه من ضعف ويأس واضحين كل الوضوح في شكلها وحديثها، وقد فجّر هذا الفيديو نقمة عارمة لدى أهالي الأسرى ولدى أحزاب المعارضة وقطاع واسع من الرأي العام الإسرائيلي الذي يرجح لديه الاعتقاد بأن الأسرى يموتون بلا ثمن لأنّ الجيش لم يحقق الانتصار الذي وعد به على مدار الأشهر الـ15 الماضية.
أما من ناحية حماس فإنّها ما زالت تمسك بثلاث ورقات تعتقد أنّها ستحسم معركة المفاوضات، الأولى هي الرهائن المحتجزون لديها، والثانية قدرتها على متابعة القتال وإيقاع الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي في كل خطوط المواجهة وخاصة في الشمال، حيث عجز الجيش خلال أكثر من شهرين من القتال عن تحقيق الأهداف التي أعلن عنها، أما الثالثة فهي أن حماس ما زالت تحتفظ بالقدرة على إطلاق صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى باتجاه إسرائيل وهي تبدي ثباتا ملحوظا في التمسك بشروطها الخاصة بوقف إطلاق النار والانسحاب والتبادل المقبول للأسرى، لكنها في الوقت نفسه قدمت تنازلا، بحسب مصادر موثوقة، عندما قبلت أن يؤجل الانسحاب الكامل من القطاع إلى المرحلة الثانية، ومقابل ذلك طلبت ضمانات أكيدة من الوسطاء بأن وقف إطلاق النار حالما يبدأ فلن ينتهي بغض النظر عن نتائج المفاوضات اللاحقة بخصوص المرحلتين الثانية والثالثة، وما يؤكد إمكانية تحقيق ذلك أن الناطقين باسم الإدارة الأمريكية خاصة بلينكن وسوليفان وكيربي، باتوا يقرنون في تصريحاتهم بين وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، ما يعني أن الإدارة الأمريكية التي تنخرط بصورة أكثر فاعلية في المفاوضات قد تعطي مثل تلك الضمانات لحماس، خاصة أنّها تبدو متأكدة من أن ترامب لن يعارض هذا المقترح باعتبار أن الأولوية لديه هي إنهاء الحرب دونما اهتمام بالتفاصيل.
هناك أمر أخير تم التوافق عليه بالرغم من محدودية أهميته وهو السيطرة على المعابر، حيث تراجعت السلطة الفلسطينية عن موقفها الرافض للمشاركة في هذا السيناريو معللة هذا الموقف السلبي بأنه لا فائدة من إرسال بعثة أمنية محدودة لإدارة المعابر طالما أن تلك البعثة ستكون أصلا بحماية حماس، وأن هذا التصور هو مجرد مسرحية لدعم ادعاء «نتنياهو» أنه استطاع إزالة حماس عن السلطة. وبالتاكيد فإنّ السلطة الفلسطينية كانت قد بنت موقفها السلبي استنادا إلى الظن بأن الولايات المتحدة وحلفائها العرب بوسعهم استثمار نتائج الحرب في إبعاد حماس عن السلطة بالفعل، وإعادة بناء هياكل السلطة الفلسطينية المجمدة في غزة، وتنشيط دورها للإمساك بزمام الأمور.