أشرف غريب يكتب: يناير الدافئ

أشرف غريب يكتب: يناير الدافئ
أوشكت سنوات غيابها أن تكمل خمساً، فقد رحلت الفنانة الكبيرة نادية لطفي في الرابع من فبراير 2020، ورغم هذا الغياب فإن ذاكرتي لا تزال منتعشة بذلك اللقاء الذي أستحضره مع بداية شهر يناير من كل عام حينما كنا نتحلق حولها احتفالاً بعيد ميلادها (من مواليد الثالث من يناير 1937) لا سيما في سنواتها الأخيرة التي قضتها طريحة فراش مرضها بأحد المستشفيات، كان لقاء دافئاً يُبدد برودة شهر يناير، مليئاً بالذكريات عن زمن جميل عاشته نادية لطفي وسط العمالقة، فأصبحت واحدة من هؤلاء، ومتفجراً بالآراء الجريئة التي كانت تطلقها في الفن والسياسة والحياة بشكل عام دون أي حسابات أو توازنات، وهي فوق ذلك كله بل وقبله سيدة تقطر عطفاً وإنسانية، تجيد الإحساس بالآخرين وتشعر بمعاناتهم، وكم من مواقف نبيلة يتذكرها لها الجميع تجاه أصدقائها حتى وهي في ذروة أزماتها الصحية.
أما على المستوى الفني فقد جاءت نادية لطفي إلى السينما عام 1958 بطلة لفيلم «سلطان» للمخرج نيازي مصطفى تسبقها ضجة إعلامية كبرى بعد السجال القانوني الذي كان طرفاه منتج الفيلم رمسيس نجيب والكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، على أثر قيام الأول بتغيير اسم اكتشافه الجديد «بولا محمد شفيق» إلى «نادية لطفي» مستعيراً اسم بطلة رواية إحسان عبدالقدوس «لا أنام» دون استئذان صاحب الرواية، فكانت أفضل دعاية لهذا الوجه الجديد الذي يتلمّس خطواته الأولى في عالم السينما.
لكن الأهم أن ظهور نادية لطفي جاء في مرحلة شديدة الحساسية والأهمية في تاريخ السينما المصرية بعد سنوات قليلة من قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 كانت كفيلة بإحداث حالة من التغيير الاجتماعي، أبرز ملامحه تطلع الفتاة المصرية للقيام بدورها الطبيعي في بناء الدولة الحديثة طالبة وموظفة وعاملة وربة أسرة، ما كان يعني ضرورة وجود من يمثل تلك الفتاة الجديدة على شاشة السينما، وهذا ما نهضت به كل من لبنى عبدالعزيز بطلة «الوسادة الخالية» لصلاح أبوسيف سنة 1957، ونادية لطفي بطلة «سلطان» لنيازي مصطفى العام التالي مباشرة، ثم سعاد حسني بطلة «حسن ونعيمة» لهنري بركات سنة 1959.
لقد كان المجتمع في حالة تغيّر، والفتاة المصرية تتوق للتعبير عن ذاتها وعن تطلعها إلى حياة اجتماعية كريمة، ومن هنا لم تكن لا نجمات الميلودراما كفاتن حمامة وماجدة ومريم فخر الدين قادرات على التعبير عن تلك الفتاة، ولا ممثلات الإغراء كهند رستم وهدى سلطان وبرلنتي عبدالحميد مناسبات لذلك.. كانت السينما بحاجة إلى نموذج أقرب إلى الوسطية يثير التعاطف دون مبالغة، ويهتم بالمظاهر الشكلية دون تكلف، نموذج لديه القدرة على اتخاذ موقف دون بطولة، والتعبير عن رأي دون انفعال، نموذج يرفض أن يكون فريسة كبطلات الميلودراما، ولا يحب أن يكون صياداً كنجمات الإغراء، وإنّما هو يخطئ ويصيب، يحب ويكره، يضحك ويبكي، باختصار.. نموذج طبيعي غير مصنوع يمكن أن ترى شبيهاً له في حدود الأسرة والجيرة والعمل والجامعة.
كانت السينما المصرية بحاجة إذن إلى هذا النموذج حتى تستطيع أن تغير جلدها وتساير ما هو حادث في المجتمع من تطور، وترفع عن كاهلها صورة الفتاة البائسة المقهورة التي ظلت جاثمة على صدرها منذ بدايات السينما الروائية وحتى نهايات الخمسينات تقريباً، وكذلك تنحي جانباً أجواء البيئة الشعبية التي سادت طوال الأربعينات والخمسينات تقريباً وكانت الفتاة فيها إما تابعة لرجل أو محط أطماع الرجال من حولها، من أول فاطمة رشدي في فيلم «العزيمة» لكمال سليم سنة 1939 وحتى نعيمة عاكف في فيلمي «تمر حنة» سنة 1957، و«أحبك يا حسن» سنة 1958.
وبالفعل ودّعت السينما المصرية عقد الخمسينات وقد كسبت الدراما الأسرية مساحة لا بأس بها من خريطة الذوق السينمائي العام على حساب الدراما الشعبية، وهي المساحة التي ظلت في ازدياد مطرد طوال الستينات ليس فقط لأنّ صناع الأفلام أدركوا أن هذه هي السينما التي تلائم المرحلة، وإنّما أيضاً بفضل تواتر ظهور مجموعة من الممثلات ناسبت هذا النوع من الدراما كانت نادية لطفي في طليعتهن، وهو ما انعكس ليس فقط على مضامين الأفلام، وإنّما أيضاً بداية من عناوين هذه الأفلام حيث حلت مفردات الأسرة بدلاً من مفردات البيئة الشعبية، فشاهدنا أفلاماً من قبيل: «السبع بنات، مذكرات تلميذة، جواز في خطر، ثورة البنات، مدرس خصوصي، بنت شقية»، وكلها من بطولة نادية لطفي، بالإضافة طبعاً لعلاماتها المهمة في تلك السنوات مثل: الخطايا، الناصر صلاح الدين، النظارة السوداء، السمان والخريف، وقصر الشوق.
باختصار لقد استطاعت نادية لطفي ورفيقاتها تلوين عقد الستينات وما بعده، وإلغاء المسافة بين الشاشة وصالة العرض، أو بين الفنان والمتلقي، ولذلك نجحت نادية لطفي، واستمر الأثر الذي تركته حتى بعد توقفها عن التمثيل قبل نحو أربعين عاماً.