القاضي منير الحداد: صدام حسين كان مخيفا أمام حبل المشنقة.. ولم نتعرض لضغوط خارجية لتنفيذ الحكم

كتب: محمد علي حسن

القاضي منير الحداد: صدام حسين كان مخيفا أمام حبل المشنقة.. ولم نتعرض لضغوط خارجية لتنفيذ الحكم

القاضي منير الحداد: صدام حسين كان مخيفا أمام حبل المشنقة.. ولم نتعرض لضغوط خارجية لتنفيذ الحكم

بعد دقائق قليلة، عقب صلاة فجر الثلاثين من ديسمبر من العام 2006، وفى أول أيام عيد الأضحى المبارك، كان المشهد المتصدر فى العالم حينها لحظة لفّ حبل المشنقة حول عنق الرئيس العراقى الراحل صدام حسين، أمام عدسات الكاميرات، بينما فى الخلفية ضجيج لأصوات اختلطت بين «صدام» والموجودين فى الغرفة الشاهدة على آخر لحظات حياة الرجل الذى حكم العراق لـ24 عاماً، ما خلَّف جدلاً كبيراً بشأن توقيت إعدامه، وشائعات كثيرة عن تفاصيل تنفيذ الحكم الصادر بحقه.

رئيس اللجنة المشرفة على إعدام الرئيس العراقى السابق: أخبرني أنه ليس شريرا

وجَّهت «الوطن» جميع التساؤلات التى أثارت جدلاً خلال العقدين الماضيين حول عملية إعدام «صدام»، إلى المستشار منير الحداد، نائب رئيس محكمة التمييز فى المحكمة الجنائية العراقية العليا، ورئيس اللجنة المشرفة على إعدام الرئيس العراقى السابق.

وقال «الحداد» إنه كان من المفترض أن يكون القاضى الموجود خلال تنفيذ حكم الإعدام إما قاضى جنح أو قاضى التحقيق بمنطقة الكاظمية، وكان هو الوحيد الموجود فى تلك الليلة، باعتباره رئيس المحكمة بالوكالة، حيث كان يقضى رئيس المحكمة إجازته فى كردستان، بخلاف ذلك كان «الحداد» نائب رئيس محكمة التمييز وحضر بصفته.

وأضاف «الحداد»: «فى محكمة التمييز 9 أعضاء وكنت نائب رئيس محكمة التمييز ويجب التصويت من قبل التسعة أعضاء أو الأغلبية على أقل تقدير، وقبل صدور القرار، خرج رئيس الوزراء العراقى الأسبق، نورى المالكى، على الشعب العراقى عبر التلفاز، وأخبرهم أن صدام حسين سينفذ بحقه حكم الإعدام قبل نهاية العام 2006، وسألنى عن القرار فأجبته أنه يحتاج عدة أشهر، واجتمعنا بمحكمة التمييز وأصدرنا القرار خلال 3 أيام»، موضحاً أن 7 أعضاء بالمحكمة صدقوا على القرار وتبقى عضوان اثنان، الأول تهرب مدعياً أنه سيؤدى فريضة الحج وسافر إلى مكة المكرمة، والثانى هرب إلى أربيل فى كردستان العراق، ووصف هذا التصرف بـ«العمل الجنونى».

ونفى «الحداد» أى علاقة للولايات المتحدة الأمريكية بصدور قرار إعدام الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين، مشيراً إلى أن علاقته لم تكن جيدة مع الأمريكيين، حيث إن لديهم مستشارين فى المحكمة الجنائية العراقية العليا مثلهم مثل البريطانيين وجنسيات أخرى، وهى منفصلة عن مجلس القضاء الأعلى فى العراق، وكان دورهم الحصول على أموال، على حد وصفه.

وأكد أنه رُشح لمحكمة التمييز وتمت الموافقة عليه من قبل مجلس القضاء الأعلى، وصادق على القرار مسعود بارزانى، رئيس مجلس الحكم فى العراق، آنذاك، حيث تلقى «الحداد» وعدة قضاة دورات فى القانون بمحكمة العدل الدولية بلاهاى والمملكة المتحدة، مشيراً إلى أن القانون الدولى يختلف عن القانون الجنائى فى العراق، وحال محاكمة «صدام» بالقانون العراقى لكان أفرج عنه، حيث تمت الترجمة للنصوص من اللغة الإنجليزية إلى العربية.

«المالكى» أراد كتابة اسمه في التاريخ على حساب القضاة العراقيين

يتذكر المستشار العراقى بعض اللقاءات التى جمعته بـ«صدام» قبل إعدامه، إذ يقول: «صدام حسين كان بالنسبة لى شخصين وليس شخصاً واحداً، كان يعرف عنى كل شىء، وأنا من عائلة كانت معارضة لحكمه، وقضيت سنوات عديدة فى السجن خلال عهده، وأعدم اثنين من أشقائى، وأؤكد هنا أن هذا ليس له أى علاقة بصدور القرار فأنا قاضٍ ولست منتقماً، أنفذ العدالة فقط، وفى إحدى المرات أخبرنى أننى لست شريراً وأننى مهنى، حتى إن محامى صدام كانوا ينظرون لى نظرة استقلالية، لكن يوم الإعدام رأيت شخصاً آخر، كان مخيفاً، وظهرت على ملامح وجهه صرامة شديدة أمام حبل المشنقة، لدرجة أننى تذكرت أحاديث عائلتى عنه حينما كنت طفلاً صغيراً».

يضيف «الحداد»: «نُقل الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين بواسطة الأمريكان وسلموه لسجن الحماية القصوى بمنطقة الكاظمية، إذ إن «صدام» كان الشخصية السياسية الأولى التى جرى إعدامها فى ذلك المكان بعد 2003، والشخص الرابع والستين الذى يجرى إعدامه هناك فقد تم قبل ذلك إعدام 63 من أعضاء تنظيم القاعدة بتهمة الإرهاب فى ذلك الموقع».

وجاء فى محضر تنفيذ الإعدام، الذى أرسل «الحداد» نسخة ضوئية منه لـ«الوطن»: «تنفيذاً للأمر الديوانى المرقم / س52 ذى العدد 1342 فى 29/ 11/ 2006، حضرنا نحن الموقعين أدناه إلى سجن الحماية القصوى فى الكاظمية لغرض تنفيذ عقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت بحق المدان صدام حسين المجيد، وتم التنفيذ بحضور ممثل السيد رئيس الوزراء الدكتور طارق نجم عبدالله فى الساعة 6:10 صباحاً يوم السبت الموافق 30/ 12/ 2006، وبعد التأكد من مفارقته الحياة، ختم المحضر بتوقيع الحاضرين».

والموقّعون على محضر إعدام صدام حسين مع المستشار منير الحداد، هم: مدير السجن حسين الكرباسى، والمدعى العام منقذ آل فرعون، وممثل رئيس الوزراء العراقى طارق نجم عبدالله، وطبيب السجن مهدى عبدالجاسم.

وعن الجدل المثار بشأن توقيت تنفيذ حكم الإعدام على «صدام»، قال «الحداد»: «منذ العام 2006، وهناك لغط بخصوص هذا الشأن، إذ إن هناك بعض مواد القوانين المعلقة لدى مجلس الحكم آنذاك، وبالتالى لم تشر أى مادة قانونية لمنع توقيت تنفيذ الإعدام، وأود توضيح أن التوقيت كان قُبيل أول أيام عيد الأضحى المبارك».

وأشار «الحداد» إلى أن «صدام» دخل فى البداية إلى مكان تنفيذ الحكم وقد بدا عليه نوع من الارتباك، موضحاً «كان يعرفنى جيداً، حيث كانت علاقتى به طيبة جداً دائماً، وحينما وجدنى شعر بالارتياح، وكنت أردد عليه منطوق الديوانى حكم الإعدام وأمر محكمة التمييز، وكان يشتم إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وكان ممسكا بمصحف فى يديه».

وعن اللحظات الأخيرة فى حياة «صدام»، قال «الحداد»: «كان هناك 14 شخصاً داخل قاعة الإعدام، وحينما قلت له من الذى سينقل وصيتك قال لى (تعيش يا ابنى)، كانت كلمة إشادة بى، فسألته عما إذا كان يريد أن أوصل وصيته لابنته؟ ثم نطق الشهادة ونزل حبل المشنقة أثناء الشهادة الثانية التى لم يكملها»، مشيراً إلى أن جثمان «صدام» جرى تسليمه بعد ذلك إلى رئيس عشيرته بواسطة محافظ تكريت ونائبه حتى يتم دفنه، ولا صحة لأى شائعات أفادت بانتهاك الجثمان.

وشدد «الحداد» على أنه لم يكن هناك أى ضغوط خارجية لتنفيذ حكم الإعدام على الرئيس العراقى الأسبق أو التدخل فى إنقاذه من دول أخرى، ولكن كانت هناك عدة مخاوف، على سبيل المثال، أن نورى المالكى كان يريد كتابة اسمه فى التاريخ، رغم أن من أصدر حكم الإعدام ونفذه هم قضاة عراقيون، مؤكداً أن القرار كان «عراقياً خالصاً».

ويسترجع المستشار العراقى ذكريات إحدى الصور التى أرسلها لـ«الوطن»، حيث يقول: «الأول على يسار الصورة هو القاضى محمد عريبى، رئيس محكمة الجنايات العراقية، والثانى أنا، حيث التقطت الصورة فى كلية القانون بجامعة بغداد، وخلفنا صورة صدام حسين حينما كان رئيساً للجمهورية العراقية، ثم يشاء القدر أن يحاكمه خريجون بنفس الدفعة، أنا أكبر سناً من القاضى عريبى بخمس سنوات، لكن كنت معتقلاً فى الفترة بين عامى 1980 حتى 1985، وبعد الإفراج عنى استكملت دراسة القانون».

وعن مدى تخوفه وقتها من أعمال انتقامية بعد إعدام «صدام»، قال «الحداد»: «لم أكن قلقاً نهائياً بعد إعدام صدام حسين، لاسيما من أنصاره، أنا بالأصل محامٍ عراقى ذهبت إلى الأنبار وهى مدينة صدام حسين، التى أراد أن يدفنوه بها، ودخلتها كثيراً وحتى الحكومة والأحزاب اتصلوا بى أكثر من مرة لتحذيرى من الذهاب إلى هذه المدينة، لكنى رفضت».


مواضيع متعلقة