ما الفرق بين الطلمبات والسدود الحبشية؟

طرحنا فى مقال سابق مبادرة لحلحلة أزمة سد النهضة تتمثل فى مطالبة إثيوبيا بالتوقف عن الاستمرار فى إنشاءات السد بعد الوصول إلى ارتفاع 120 متراً أو أكثر قليلاً، وبحيث لا تتجاوز سعة السد نصف السعة الأصلية. حيث أثبتت معظم الدراسات العالمية والمصرية، أنّ السد الأصغر يستطيع توليد ما لا يقل عن 90% من كهرباء السد الضخم وبتكلفة أقل كثيراً. وبعد الاتفاق على إيقاف إنشاءات السد، تأخذ إثيوبيا والسودان ما تحتاجانه من وقت للدراسات، سنة أو عشر سنوات، لتحقيق الدقة التى ترضيهما. وبعد انتهاء الدراسات، نبقى ساعتها نقعد مع إثيوبيا ونشوف إذا كان السد سوف يسبب أضراراً على مصر «وهذا مؤكد» تقوم إثيوبيا بالالتزام بسياسات التخزين والتشغيل التى تقلل هذه الأضرار والتعويض إن لزم الأمر، ولو فيه خسائر على إثيوبيا نتيجة وقف إنشاءات السد عند نصف سعته الأصلية تعوّضها مصر، وكده الكل يبقى حبايب. وفى مرحلة لاحقة، بعد إبرام وتنفيذ الاتفاق على سياسات تقليل الأضرار والتعويضات، يتم استكمال التفاوض حول استكمال إنشاءات السد من عدمها والتوصل إلى تسوية نهائية لهذه الأزمة. وفى مرحلة أخيرة يتم التفاوض حول إطار عام للتعاون والتنسيق بين الدولتين بالنسبة للسدود الإثيوبية العديدة الأخرى. ده ملخص المبادرة دون فلسفة أو لف أو دوران، والمبادرة لن تمنع ضرر السد الإثيوبى، لكن بلا شك سوف تقلل كثيراً من آثاره السلبية. ويجب إيضاح أنّ الحل الوحيد لمنع الضرر عن مصر هو إزالة السد بالكامل، وأنا غير متخصص فى الإزالات، ولا أستطيع التحدث عنها بالعمق الكافى. وقد يتساءل البعض لماذا توافق إثيوبيا على هذه المبادرة، وما الفوائد التى قد تعود عليها من هذه الموافقة. ولشرح موقف إثيوبيا المحتمل من المبادرة أستسمح القارئ العزيز بأن أتناول بعض الفنيّات البسيطة التى قد تكون مملة، لكن أعدكم بأن تكون التفاصيل محدودة ومبسّطة. فكلنا نتذكر أنّ سد النهضة سعته التصميمية الضخمة تبلغ 74 مليار متر مكعب، وأنّ قدرة محطته الكهربائية المعلنة 6000 ميجاوات/ ساعة، أى أن أقصى معدل إنتاجه من الكهرباء هو 6 ملايين كيلووات فى الساعة. وسد النهضة يقع على النيل الأزرق، والنيل الأزرق فيضانه موسمى يمتد لفترة 4 أشهر بتصرفات ضخمة، ثم ينخفض تدفّق النهر بشكل كبير لفترة أربعة أشهر أخرى، ثم يقترب تصرف النهر من الجفاف فى بقية السنة. وتوليد الطاقة من السدود عموماً يعتمد على معاملين أساسيين، أولهما كمية تدفّق المياه خلال التوربينات، والثانى عمق المياه المخزّنة أمام السد، وتزداد كمية الكهرباء مع الزيادة فى مقدار هذين المعاملين والعكس صحيح. وسعة سد النهضة من الناحية الفنية مبالغ فيها وتبلغ مرة ونصف المرة متوسط التدفُّق السنوى للنيل الأزرق، ولذلك فإنّ كفاءته فى توليد الكهرباء لا تتعدى 27%، وهى متدنية جداً بالنسبة إلى السدود الأخرى، كالسد العالى مثلاً، الذى تبلغ كفاءته 60%، أو السدود الإثيوبية الأخرى التى تزيد كفاءتها على 50%. وهناك دراسات تؤكد أن متوسط إنتاج سد النهضة السنوى من الكهرباء لن يتجاوز 11000 جيجاوات (11000 مليون كيلووات)، وقد تنخفض هذه الكمية أو تزيد أثناء سنوات الجفاف وسنوات الفيضانات العالية، على الترتيب. وتصدير كهرباء هذا السد وغيره من السدود أحد أهداف إثيوبيا الاستراتيجية، لزيادة دخلها القومى، وسوف تقوم إثيوبيا بتصدير جزء من هذه الكهرباء إلى السودان، وباقى الكهرباء سوف تستهلكه إثيوبيا محلياً. والسودان فى الأغلب لن تستطيع استيعاب أكثر من ثلثى إنتاج السد من الكهرباء، وتحتاج إلى أكثر من 400 مليون دولار لتنفيذ خطوط الضغط العالى لنقل هذه الكهرباء، وفى فترة لن تقل عن سنتين. والسودان اشترت الكهرباء من إثيوبيا مسبقاً لولاية غضاريف بحوالى خمسة سنتات للكيلووات، وتطمع فى سعر مماثل لكهرباء سد النهضة لسببين أولهما أنّها الدولة الوحيدة التى سوف تستورد كهرباء السد، ولولاها لتعرّضت إثيوبيا لهزة اقتصادية كبيرة، وثانيهما أنّها قدمت لإثيوبيا خدمة العمر بالتحالف معها ضد مصر. وإثيوبيا تطمع أن تبيع الكهرباء بمبلغ 7 سنتات للكيلووات، ونفترض أنّهم هيوصلوا لسعر وسط مع السودان بحوالى 6 سنتات للكيلووات. وبقية الكهرباء التى سوف تستخدم فى إثيوبيا عائدها الاقتصادى ضعيف لأنّ سعر الكهرباء مدعم بشكل كبير. وإثيوبيا تنفّذ خط ضغط عالٍ من السد إلى أديس أبابا بطول يزيد على 500 كيلومتر، وبقرض من الصين يزيد على مليار دولار. وعلى ضوء هذه البيانات، فإنّ الدخل السنوى المتوقع من سد النهضة لن يتجاوز فى أحسن حالاته 600 - 650 مليون دولار، وسيخصص منه حوالى 200 - 250 مليون دولار للتشغيل والصيانة للسد الرئيسى الخرسانى، وكذلك السد الجانبى الركامى، وسوف يتبقى لإثيوبيا مبلغ 400 - 450 مليون دولار لتسديد أقساط قروض السد. ونفترض أنّ القروض ستُسدد على عشر سنوات فإنّ القسط السنوى للسد وخطوط الضغط العالى لن يقل عن 900 مليون دولار، بفرض أنّ الفائدة على القرض فى حدود 3 - 4%. أمّا إذا كانت القروض لمدة عشرين عاماً، فإنّ القسط السنوى سيكون فى حدود 550 مليون دولار، يعنى برضه سيزيد على دخل السد، وإثيوبيا ستجد صعوبة شديدة فى تسديد قروض السد وخطوط نقل الكهرباء. وهناك قروض أخرى كبيرة حصلت عليها إثيوبيا لبناء سلسلة سدود جيب على نهر أومو المشترك مع كينيا، وقروض مماثلة للسدود الخمسة الجديدة على روافد السوباط والأزرق وعطبرة، وهناك قروض على خطوط نقل الكهرباء للحدود الكينية والصومالية والسودانية والجيبوتية والسودانية. الموقف المالى الإثيوبى فى رأيى فى منتهى الصعوبة، وميزانيتها السنوية التى تبلغ 8 مليارات دولار وتطمع أن تزيد هذا العام إلى 10 مليارات دولار، لا تسمح لها بأى مرونة فى تحمّل مشاريع خاسرة. ولذلك فإنّ إيقاف السد النهضة عند ارتفاع متوسط يحقق تقريباً نفس إنتاج كهرباء السد الضخم، سيوفر لإثيوبيا حوالى مليارى دولار من التكاليف الإنشائية والمعدات الميكانيكية والكهربية، ممّا يحول مشروع السد من مشروع اقتصادى شبه فاشل إلى مشروع قد يحقق بعض الأرباح المالية. وإذا لم توافق إثيوبيا على هذه المبادرة السلمية، فعلى مصر أن تأخذ جميع المسارات الأخرى التى نص عليها ميثاق الأمم المتحدة لحل النزاعات الدولية سلمياً من وساطة لتحكيم ودى أو دولى، حتى اللجوء إلى مجلس الأمن، وسبق أن عرضت هذه البدائل فى عدة مقالات سابقة. ويجب ألا نغفل أنّ هذا التحرك الجاد يحتاج إلى تشكيل مجموعات من خبراء مصريين محترفين فى المجالات الفنية والسياسية والقانونية، والاستعانة بثلاثة خبراء دوليين فى المياه والقانون الدولى والاستراتيجيات الأمنية. ولعلنا نتذكر قول الله تعالى «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ». وختاماً أنقل لكم آخر أخبار كبير الهنود الحمر الذى نظم مسابقة توعية مائية حول أزمة سد النهضة، وكانت المسابقة عبارة عن سؤال واحد، والجائزة للفائز ريشة ذهبية. والسؤال بيقول «ما الفرق بين الطلمبات والسدود الحبشية»، وكانت الإجابة الفائزة «أنّ الطلمبات الحبشية بتهد الحيل فى الضخ، لكن فى الآخر بتجيب كوزين ميّه نتروقوا بيهم، أمّا السدود الحبشية فبتهد الحيل فى مباحثات تخنق، ونبحة قلب، وفى الآخر تمنع الميّه، وتقطع النور عن كل أهل النجع».