اعتقال «نتنياهو - جالانت».. قد يصبح حقيقة
منذ صدور قرار المحكمة الجنائية بشأن اقتراف إبادة جماعية فى غزة والجدل لا ينتهى، سواء بالسلب أو الإيجاب، وليس مستغرباً أن يكون رد الفعل الإسرائيلى غاضباً، مستخفاً ورافضاً لقرار «الجنائية الدولية»، بإصدار مذكرتى اعتقال بحق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه السابق فى مجلس الحرب يوآف جالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن الغريب أن تخرج بعض الأصوات العربية المنحازة لإسرائيل على السوشيال ميديا بهذا الشكل الفج، وتشاركها الرأى بالتحذلق والتنطع والانتقاد لقرار الجنائية الدولية؟!. فمنذ الحرب على غزة بدأت تتعرى بعض الوجوه وتنكشف حقيقتها وإن كان الأمر غير مفاجئ، فبوادر التغيير العربى انتماء وعقيدة بدأت منذ سنوات بشكل تدريجى، خاصة فيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل والتبرير لأفعالها فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، حتى إنه أصبح الجهر بذلك طبيعى ومنطقى لمن يتبنون هذا التوجه، ويدافعون عنه بوقاحة.
قرار المحكمة الجنائية الدولية، إن لم يكن فعالاً ولن ينفذ على أرض الواقع، فإنه يضع إسرائيل فى عزلة دولية وحصار سياسى، وهو أضعف الإيمان، كما أنه قرار غير مسبوق، ولا متوقع، فقد ألقت المحكمة الجنائية الدولية حجراً فى المياه الراكدة، فى ظل الدعم الأمريكى المطلق والدائم لإسرائيل، حيث تقف واشنطن بالمرصاد لأى قرارات أممية أو دولية تصدر ضد إسرائيل منذ بداية الحرب، أو فى أى وقت آخر. لقد أزال قرار المحكمة حواجز قانونية ونفسية أدت فى السابق إلى رفض الدعاوى لإصدار مذكرات اعتقال ضد ضباط كبار فى إسرائيل، وفتحت عملياً جبهة سياسية وقضائية جديدة ضد إسرائيل، وضد المواطنين الإسرائيليين فى الساحة الدولية، منكشفين على ملاحقات ومضايقات قضائية خلال وجودهم خارج البلاد. فقد علقت منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية غير الحكومية «بتسيلم» بالقول «إن قرار المحكمة الجنائية الدولية يُظهر أن إسرائيل قد وصلت إلى واحدة من أدنى النقاط فى تاريخها». وقالت المنظمة، فى بيان، إنه «لسوء الحظ فى الحرب المستمرة منذ عام على قطاع غزة، فليس من المستغرب أن تشير الأدلة إلى أن نتنياهو وجالانت مسئولان عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية». فى اعتراف مباشر وإقرار بما تضمنته مذكرتا الاعتقال بحقهما.
من المثير للاهتمام أن قرار «الجنائية» الدولية لا يرى أن قبول إسرائيل باختصاص المحكمة «أمر ضرورى»، وذلك بسبب «وجود أدلة دامغة بأنها ارتكبت جرائم حرب». فقد جاء فى بيانها أن ثمة «أسباباً منطقية» تدعو للاعتقاد بأن نتنياهو وجالانت أشرفا على هجمات ضد السكان المدنيين فى قطاع غزة. وأوضحت أن جرائم الحرب المنسوبة لنتنياهو وجالانت تشمل: استخدام التجويع كسلاح حرب والقتل والاضطهاد و«غيرها من الأفعال غير الإنسانية».
إن ردود الفعل الغاضبة والمتشددة من القادة والمسئولين فى إسرائيل، لم تكن فقط بسبب تجرؤ المحكمة على إصدار مذكرتى الاعتقال بحق نتنياهو وجالانت، بل لخشيتهم أيضاً من إصدار المحكمة أوامر سرية بحق ضباط وجنود فى جيش الاحتلال الإسرائيلى، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فى قطاع غزة، فالقلق الأساسى يتمثل فى أن تتحول هاتان المذكرتان إلى سابقة، تعقبها شكاوى للمحكمة الجنائية ضد مسئولين رفيعى المستوى من أجهزة الأمن، وضد ضباط وجنود خدموا فى مواقع حساسة خلال الحرب على قطاع غزة، أو كانوا جزءاً من متخذى القرارات المتعلقة بالحرب.
كما أن هناك خشية فى إسرائيل من احتمال صدور مذكرات اعتقال سرية، ضد قيادات عسكرية، وضباط وجنود فى أعقاب مذكرتى الاعتقال اللتين صدرتا بحق نتنياهو وجالانت. وتأتى أهمية هذه الخطوة بعد محاولات الإدارة الأمريكية الحثيثة المتواطئة مع جرائم الحرب الإسرائيلية تعطيلها لأشهر، عبر إرهاب المحكمة وقضاتها، ومحاولة ثنيها عن أداء واجبها فى محاسبة الاحتلال على جرائمه المتواصلة فى قطاع غزة، المثبتة بالأدلة الدامغة صوتاً وصورة، وتشكل سابقة تاريخية مهمة وتصحيحاً لمسار طويل من الظلم التاريخى للشعب الفلسطينى، وحالة التواطؤ والتغاضى المريب عن انتهاكات بشعة يتعرض لها طيلة ستة وسبعين عاماً من الاحتلال الفاشى.