الحبس الاحتياطي وسلامة الطرق والأثير
كل ما من شأنه أن يعطى أملاً أو يخفف من حدة قتامة أخبار الكوكب أو يعالج من أصابه إحباط أو أثقل كاهله اكتئاب، أنا أشجعه.
و يا سلام لو كان مرتبطاً بكرامة المواطن وشعوره بالأمان وتعظيم الثقة فى الإجراءات وضمان الحقوق.
استجابة الرئيس السيسى للتوصيات التى قدمها الحوار الوطنى فى شأن الحبس الاحتياطى والعدالة الجنائية هى إحدى تلك الخطوات التى تأتى فى وقتها تماماً، ليس فقط لأنها مطلب عادل وتصحيح للمسار وتأكيد على سيادة القانون، ولكن لأن توقيتها بالغ الأهمية.
وحتى المصريون الذين لا تمسهم خطوات تخفيض الحدود القصوى لمدة الحبس الاحتياطى، والحفاظ على طبيعة الحبس الاحتياطى كإجراء وقائى يستوجب التحقيق دون أن يتحول لعقوبة بشكل مباشر، فقد جاءت الاستجابة بمثابة نسمة هواء عليل فى هذا الصيف الساخن.
أحزاب وقوى سياسية عدة تطالب بتعديل التشريع فى هذا الشأن منذ عقود طويلة.
القانون الحالى صدر فى عام 1950، وخضع لبعض التعديلات، لكن جميعها لم ترق للمطلوب والمأمول، كما لم تجار التغيرات السياسية والاجتماعية التى طرأت على المجتمع، وكذلك تعريف ومفاهيم حقوق الإنسان بمعايير تناسب العصر، ودون أن تخل بالطبع أو تعرض الأمن القومى والاجتماعى للخطر.
تنظيم الحقوق والحريات، والتأكد من أن يد القانون والعدالة لا تجور على حقوق المواطن وخصوصيته وحريته، ودون أن تطغى الأخيرة على القانون والواجبات هى غاية منى وكل أمل الأمم المتحضرة، ومنها تنطلق المسيرة ضمن مكونات أخرى.
تحية للرئيس الذى يصحح المسار، وللحوار الوطنى الذى أرسل رسالة دون أن يدرى لعموم المصريين بأن عملاً مهماً وجهداً مضنياً وفكراً مضيئاً يدور فى اجتماعاته ولقاءاته منذ انطلاقه، وننتظر المزيد، فالمواطن - أى مواطن- بطبيعته يطمح إلى المزيد حين يلوح الأمل فى الأفق.
وبمناسبة الأمل والأفق، أتساءل عن أثر حادث بشع كالذى شهده الطريق الدائرى قبل أيام على من يهمه الأمر؟ الأصدقاء يخبروننى أننى أبالغ فى الشكوى فى ملف المرور، وكلما اتخذت قراراً بعدم التطرق له، يحدث ما يستدعى العودة، والحقيقة أن ما يستدعى العودة يحدث بصفة يومية!
«المرور» الذى أقصده ليس مصادرة تكاتك وتحرير مخالفات انتظار فى الممنوع وسحب رخص منتهية فقط رغم أهميتها، وليست مسئولية إدارة المرور فى وزارة الداخلية فقط، أو الصندوق الحكومى الذى تم تخصيصه لتغطية الأضرار عن بعض الحوادث، أو غيرها من الجهات.
المرور منظومة كاملة متكاملة فيها تعليم وتربية وقانون وتهذيب وسلوك وطرق وذوق ووعى ومعرفة والقائمة تطول. ما تشهده مصر من نهضة حقيقية فى ملف الطرق غير مسبوق، ويحتاج إلى مستخدم طرق على درجة من الوعى والالتزام والتربية ومعرفة القوانين، والأهم من ذلك «الإلمام بقواعد القيادة».
يظن كثيرون أن القيادة هى «دوس بنزين»، ويعتقد آخرون أنه كلما طار القائد فى مسارات متعرجة أثبت بأسه وقوته وتفوقه.
وأذهب إلى القول بأن أجيالاً جديدة من قادة السيارات تعتقد أن القيادة هى فن المراوغة والمخادعة، وأن قادة السيارات الآخرين «العدو» الذى يجب التغلب عليه وقهره ودحره.
ولا أبالغ حين أقول إن البعض من قادة السيارات -لا سيما الربع والنصف نقل و«التمناية» وفئة من سائقى تطبيقات النقل وغيرهم- لا يعرفون من الأصل شيئاً عن أولوية المرور فى التقاطعات، أو اتجاهات السير فى البطىء، أو قواعد اجتياز الدوار الصغير، أو الانتظار.
كثيرون يعتقدون مثلاً أن السير العكسى مقبول طالما الشارع «فاضى»، أو أن الوقوف فى أى بقعة على وجه الأرض مقبول طالما شغّل «الفلاشر»، وغيرها الكثير.
أما سرعة القيادة وجنونها فلن أتحدث عنها، ويكفى أن الطرق وعائلات الضحايا والمصابين تتحدث عنها.
أعود إلى التأكيد على أن المرور والسير وسلامته منظومة يشترك فيها الجميع. مناشدات احترام القواعد لفتة راقية، لكنها تأتى بعد التعليم والتوعية وتطبيق القوانين بصرامة واستدامة، بدءاً من تعليم القيادة مروراً بإصدار الرخصة وانتهاء بمراقبة الأداء.
وإذا كانت مراقبة الأداء فى الشارع ممكنة، فإن مراقبة الأداء على «السوشيال ميديا» هى رابع وخامس وسادس وألف المستحيلات.
لم أكن أتصور أن يأتى اليوم الذى أحن فيه إلى زمن ما قبل الـ«سوشيال ميديا».
كنت من أوائل من وثقوا واحتفوا بـ«التمكين العنكبوتى»، أو إتاحة أدوات التعبير والتأثير والتحريك عبر منصات التواصل الاجتماعى، وذلك قبل نحو 20 عاماً.
اليوم، ومع هذا الطوفان الهادر الذى يكشف خبايا النفوس من خلف الشاشات، وهذا الكم من الترويج للانغلاق والفوقية والتطرف، مع شتم وسب المختلف، وكل ذلك على الأثير، أحن إلى يوم من أيام زمن ما قبل التمكين الافتراضى.
تمكين بلا وعى أو تربية أو معرفة أو قدرة على احترام الآخرين فيه سموم قاتلة، تشبه انعدام السلامة على الطريق.