الموت فى جلسة "تقسيم الميراث"

الموت فى جلسة "تقسيم الميراث"
لا تعلم موقفها القانونى فى القضية المُحتجزة على ذمتها، توزع نظرات حائرة بين جدران حجز النساء بقسم شرطة بولاق الدكرور، ملابسها رثة، لا يزين هيئتها إلا وجه مستدير وعينان خضراوان، وخصلة من شعرها الذهبى تسللت من مقدمة حجابها، تنتظر إجابة عن تساؤلات بدأت تدور فى خُلدها، تارة تنظر إلى السقف، وتارة إلى الحوائط وما عليها من شهادات وصور مُعلقة، بدأت تحرك قدميها، الحركة كانت تعبر عن عصبية شديدة بدأت تتملكها حتى لو تظاهرت بعكس ذلك، أصابع يدها اليمنى تعانق أصابع اليسرى.
تتذكر الواقعة جيداً، تتذكر كيف أجهزت على شقيقها بسكين كانت قبل قليل بحوزته وفشل فى قتلها بها، المشهد فى مخيلتها لا يفارقها، تسقط دموعها رغماً عنها، يمر أمامها شريط حياة عمره 33 سنة، هى عدد سنواتها التى قضتها بين زواج فاشل بشاب من الأقصر كان يمتلك بازاراً سياحياً هناك، وطلاقها منه وتشرد أطفالها من بعد القبض عليها، تتذكر أحلاماً تهدمت وباتت سراباً وحياة كاملة قضتها مريرة ومرت أيامها ثقالاً حتى فاض الكيل فى لحظة.
نورا محمد، 33 سنة، من أسرة متوسطة الحال مكونة من أب فارق الحياة منذ سنوات قليلة، لها 5 شقيقات إحداهن هربت من البيت إلى مكان مجهول لا يعلم أحد مصيرها وانقطعت أخبارها عنهم بعد محاولات بحث دامت أشهر باءت كلها بالفشل، تزوجت نورا من «جمال» وهو الرجل الصعيدى، الذى تمنت أن تجد فيه عوضاً عن حياة أسرية حولها شقيقها إلى جحيم.
القتيل «رامى» ملقب بـ«أخو البنات»، كما يطلق عليه أهالى شارع الحريات بمنطقة فيصل، التابعة لقسم شرطة بولاق الدكرور، والدته جعلته الآمر الناهى بالمنزل حتى فى حياة والده، مما دعاه للتجبر والتعالى على شقيقاته، لم تترك أمه إثماً إلا وحرضته عليه فيما يخص التعامل مع شقيقاته اللاتى كن يلجأن لوالدهن قليل الحيلة مقارنة بزوجته المتجبرة التى تملك الكلمة العليا فى كل شىء وأى شىء، وأمام المعاملة السيئة وعوامل أخرى خاصة بها هربت إحدى شقيقات «نورا» من المنزل ولم تعد حتى الآن.[FirstQuote]
تتذكر «نورا» تفاصيل بعض حياتها، تتذكر «جمال» صاحب بازار فى الأقصر، جاء فى زيارة عمل إلى القاهرة وبعد جولات فى الحسين وما به من بازارات، ساقته قدماه إلى فيصل لشراء بعض الاحتياجات الخاصة به، هناك تعرف عليها، حيث كانت تعمل بأحد مكاتب المحاماة بالمنطقة، تقدم لخطبتها، سرعان ما وافقت عليه آملة فى العيش الرغد بعيداً عن مطرقة أم وسندان شقيق نُزعت الرحمة من قلبيهما.
سافرت «نورا» برفقة زوجها إلى الأقصر، البازار يدر عليهما دخلاً جيداً، وسعدت بحياة كريمة لـ5 سنوات، ودبت بينهما الخلافات، بعد اكتشافها أن زوجها مدمن للمخدرات، وبدأ ينفق جُل دخله على شراء المخدرات وتعاطيها، ضارباً بتوسلاتها بالإقلاع عنها عرض الحائط، حتى أيقنت من استحالة العيش معه وطلبت الطلاق منه بعد أن أسفر زواجهما عن طفلين، وعادت إلى القاهرة مرة أخرى، أيام قليلة فصلت بين عودة «نورا» وطفليها إلى القاهرة وبين وفاة والدها الذى مات كمداً وحزناً على ابنته المطلقة وابنته الأخرى الهاربة، وزوجته التى لم تقدر تقدمه فى السن وفضلت عليه ابنهما الوحيد «رامى».
عادت «نورا» للعمل بمكتب المحامى الذى تعمل لديه بمنطقة فيصل، حتى تتمكن من مواجهة الحياة والإنفاق على طفليها، فى ظل تعنت والدتها وشقيقها، حيث دأبت الأم على تحريض شقيقها «رامى» على منعه من الإنفاق على شقيقته المطلقة، أو حتى إقراضها أموالاً.
مع زيادة الاحتياجات ورغبة منها فى ضمان مستقبل طفليها، تمكنت «نورا» من إقناع شقيقاتها الـ4 بالمطالبة بـ«الميراث» من شقيقهن، لتبدأ رحلة جديدة من الخلافات دامت سنين عدة دون نتائج تُذكر، رغم توسط الأقارب والجيران، وأئمة المساجد القريبة والأصدقاء، استمرت معاناة «نورا» وشقيقاتها الـ4 فى مواجهة الأم والشقيق، من أجل الميراث، حيث حاول الأخيران استقطاب باقى أفراد العائلة فى صفهما لمواجهة «البنات».
فى 15 من الشهر الحالى اتفق «رامى» مع إمام مسجد بشارع «الحريات» بمنطقة فيصل، بحضور جلسة توزيع الميراث، وهو نصف عمارة فى منطقة فيصل، وتثمين نصيب كل من شقيقاته على حدة، حتى يتم الفصل فى الخلاف الذى دام كثيراً، «نورا» عاشت على آمال كثيرة بتلك الوعود، كانت تقول لنفسها: «هجيبلى شقة فى مكان بعيد عن هنا، وأشيل فلوس باسمى فى البنك وأعمل دفتر توفير للولد والبنت»، كانت مجرد أحلام لم تتحقق.
الأم طلبت من بناتها التجمع عقب صلاة العشاء، لأن الشيخ محمد إمام المسجد القريب من المنزل قادم للفصل بينهن وبين شقيقهن، فى نزاع الإرث القائم منذ سنوات، علت الفرحة وجوههن، حتى حان موعد قدوم الشيخ، وبدأت الجلسة، الشيخ محمد يخطب فيهم خطبة قصيرة مقتضبة ينصح فيها بوجوب العدل فى تقسيم الإرث، ودعّم قوله بآيات من القرآن وأحاديث نبوية.[SecondQuote]
تحدث «رامى»، لم يلق حديثه قبولاً لدى شقيقاته، أراد «رامى» أن يشترى منهن نصيبهن بمقدار 420 ألف جنيه، حيث اعتبرن أن المبلغ المذكور هو ثمن بخس وغير عادل أو مساوٍ لقيمة المبانى، احتد النقاش بين الأشقاء، أسرع رامى إلى المطبخ استل سكيناً من أحد الأدراج، مهدداً شقيقاته بالذبح حال تطاولهن.
الأم «ماجدة» تجلس تخفى فى نفسها فرحة عارمة بسيطرة نجلها على الأوضاع وبأسه فى مواجهة من لا حيلة لهن، الشيخ «محمد» يحاول تهدئة الوضع وينجح فى ذلك، قبل أن يحتد النقاش مرة أخرى ولكن بين «نورا» و«رامى»، حاول الأخير قتلها بعد أن ركض خلفها فى الشقة ورماها بالسكين الذى أخطأ هدفه وارتطم بأحد الأبواب وتمت السيطرة على الموقف، بعد إطلاق الشقيقات صرخات، حضر من خلالها الجيران، وعادت الأمور إلى الهدوء، هدوء لم يدم طويلاً، فسرعان ما احتدم النقاش مرة أخرى، وتبادل كل من «نورا» و«رامى» السباب والشتائم، فما كان من «نورا» إلا أن غافلته وأمسكت بالسكين وأجهزت عليه وسددت له طعنة بالبطن، وسقط مضرجاً بدمائه، حالة من الفوضى تعم المكان، وصرخت الأم حزناً على ابنها، الذى طالما حرضته على ظلم شقيقاته، وأسرعوا إلى المستشفى.
لا تعلم «نورا» مصير شقيقها، ولم تفكر حتى بمصيره، استغلت انشغال الجميع بشقيقها المُصاب، وأخذت طفليها واختبأت بإحدى الشقق بمنطقة فيصل، الأم تجلس بجوار نجلها بالمستشفى تستدر عطف الأطباء لإدراك نجلها وإسعافه، الطوارئ تستقبل «رامى»، ويتم نقله إلى غرفة العناية المركزة، 48 ساعة الكل حائر، جاهل بمصير المُصاب أو بمكان المتسبب فى إصابته، 48 ساعة مرت ثقيلة على طرف وكالبرق بالنسبة لطرف آخر، فى الساعات الأولى من فجر 18 مايو إحدى الممرضات تدلف إلى غرفة «رامى» لمتابعة الحالة الصحية، تتقدم منه تمسك بيده لقياس النبض، علامات الوجوم والرهبة تعلو وجهها فجأة، الأم تتحدث لها «طمنينى يا بنتى فيه إيه قلبى اتقبض، رامى فيه حاجة؟!»، الإجابة تأتى سريعة: البقاء لله.
الأم تُسرع إلى قسم شرطة بولاق الدكرور، وتتقابل مع الرائد هانى الحسينى، رئيس وحدة المباحث، وتبلغه بالواقعة وتتهم ابنتها بقتل نجلها، الرائد الحسينى يُخطر اللواء محمود فاروق، مدير الإدارة العامة للمباحث، حيث كلف بتشكيل فريق بحث لضبط المتهمة، فريق البحث ضم العميد حسين درويش، رئيس قطاع غرب الجيزة، والعقيد أسامة عبدالفتاح، وكيل فرقة الغرب، والرائد هانى الحسينى، رئيس مباحث بولاق الدكرور، ومعاونيه النقباء محمد جمال وأيمن سكورى وهشام سليم ومحمود بسيونى، أعدوا أكمنة أمنية لضبط المتهمة، وتم تحديد مكان وجودها وتم ضبطها فى شقة بشارع فيصل، اقتادوها بهدوء إلى ديوان القسم، ناقشوها اعترفت بتفاصيل الواقعة، وحرروا المحضر بالواقعة وأحالوه إلى النيابة العامة التى باشرت التحقيق.
