صدق المواقف المصرية وتماسكها من القمة العربية إلى «العدل الدولية»!
تستحق كلمة مصر أمام القمة العربية بالبحرين التأمل والتحليل.. ليس فقط لوحدة مضمونها وانسجامها مع الموقف المصرى قبل وبعد القمة، ولكن أيضاً لصرامتها وقوتها ووضوحها.. عن أطفال غزة -مثلاً- يقول الرئيس عبدالفتاح السيسى:
«إن أطفال فلسطين الذين قُتِل ويُتِّم منهم عشرات الآلاف فى غزة ستظل حقوقهم سيفاً مسلطاً على ضمير الإنسانية حتى إنفاذ العدالة من خلال آليات القانون الدولى ذات الصلة». بهذه العبارة وصف الرئيس ما يجرى من العدو الصهيونى ضد الأشقاء فى غزة، خاصة الأطفال الأبرياء ممن لا يدركون حتى ما يجرى حولهم ولا يعرفون ما الذنب الذى جنوه أو فعلوه.. لكن هذه العبارة تجعلنا نتوقف أمام كلمة الرئيس أمام أشقائه ملوك ورؤساء الدول العربية الشقيقة فى القمة ٣٣ بالمنامة فى البحرين.. لتكون الكلمة الأقوى والمنسجمة مع ذاتها، ومع ما تعلنه مؤسسات الدولة المصرية كافة، ومتماسكة فى بنيانها الذى أصر -فى أى قراءة لكلمة الرئيس والكلمة ذاتها موجودة- على التركيز على القضية الفلسطينية وما يجرى من عدوان إجرامى على غزة لا ولم يتوقف، ووصفه وتشخيصه.. وليس أبلغ من عبارة صريحة مباشرة لا تقبل لبساً ولا تأويلاً تدين عجز النظام الدولى وصمته، حيث يقول «إن التاريخ سيتوقف طويلاً أمام تلك الحرب ليُسجل مأساة كبرى عنوانها الإمعان فى القتل والانتقام وحصار شعب كامل وتجويعه وترويعه وتشريد أبنائه والسعى لتهجيرهم قسرياً واستيطان أراضيهم وسط عجز مؤسف من المجتمع الدولى بقواه الفاعلة ومؤسساته الأممية»!
هذا التركيز على الأزمة فى الأرض المحتلة لكونها الأهم والأبرز لمصر وليس العكس.. صحيح الأزمات المشتعلة كثيرة فى بلادنا العربية من نزيف الدم الذى لا يتوقف فى سوريا إلى نزيف آخر فى اليمن، إلى عدم استقرار ليبيا بالشكل المثالى، إلى التمرّد على الدولة فى الصومال، إلى عدم الاستقرار الذى نتمناه للعراق الشقيق، وكذلك نتمناه للبنان الشقيق وغيرها من أزمات، لكن مصر الكبيرة أصرّت على تناول قضية غزة وحدها والحرص على إيجاد حلول لها بعد تحميل العدو المسئولية على ما يجرى ومعه المجتمع الدولى غير القادر على ردعه ووقف إجرامه ومعاقبته!
حتى خصّصت الكلمة مساحة لهذا العجز، حيث يقول الرئيس حرفياً: «وبينما تنخرط مصر مع الأشقاء والأصدقاء فى محاولات جادة ومستميتة لإنقاذ منطقتنا من السقوط فى هاوية عميقة، فإننا لا نجد الإرادة السياسية الدولية الحقيقية الراغبة فى إنهاء الاحتلال ومعالجة جــذور الصــراع عبــر حل الدولتين، ووجدنا إسرائيل مستمرة فى التهرّب من مسئولياتها، والمراوغة حول الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار، بل والمضى قُدماً فى عمليتها العسكرية المرفوضة فى رفح، فضلاً عن محاولات استخدام معبر رفح من جانبه الفلسطينى لإحكام الحصار على القطاع». وهذه المحاولات «الجادة والمستميتة» لم تتوقف عنها مصر للتوصل إلى إعلان وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة ليس أولها مؤتمر القاهرة للسلام، ولا آخرها دعم دعوى جنوب أفريقيا فى «العدل الدولية»، رغم أى اتفاقيات مع الكيان الصهيونى، كما أن غياب «الإرادة السياسية» لم يتضح اليوم، وإنما بدا واضحاً فى أزمات سابقة، لكنه يتأكد اليوم فى ظل تدهور غير مسبوق فى التعامل مع عدوان غاشم وغشيم وإرهابى بلغ حداً من العنف والقتل لم يسبق له مثيل! شاءت الأقدار والأيام والتكنولوجيا أن يسجل كاملاً بالصوت والصورة بخلاف أحداث تاريخية أخرى لم تسجل ولم تنقل إلى أجيال تالية!
وهذا التوصيف المصرى الصارم والواضح لما يجرى لم يكن عزفاً منفرداً فى منطقة مقطوعة أو مغلقة ولا كلاماً يكذّبه «العمل» و«السلوك» على الأرض.. وإنما ينسجم تماماً مع الموقف المصرى الذى وصل الآن إلى العدل الدولية.. الموقف المصرى معلن رحّبت به أطراف كثيرة، فى مقدمتها بعض الأشقاء فى فلسطين، وجنوب أفريقيا ذاتها التى وصفت القرار المصرى بأنه «مهم من دولة مهمة ومؤثرة»، مما دعا تحالف الإعلام الصهيونى الإخوانى إلى التشكيك فيه.. ولذلك جاء نفى مصدر مصرى رفيع المستوى السبت الماضى، والذى أكد أن مصر عازمة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإدانة الممارسات الإسرائيلية أمام محكمة العدل الدولية، نافية ما ردّدته صحف إسرائيل!
والأمر أمام المحاكم الدولية لم يبدأ عند إعلان مصر نيتها التضامن مع جنوب أفريقيا، ففى فبراير الماضى وأمام «جلسات الاستماع الكبرى» ترافعت مصر أمام محكمة العدل الدولية مرافعة وصفها جميع المراقبين بـ«التاريخيّة»، وأنها سعت أمام الرأى العام العالمى لفضح الانتهاكات التى تمارسها دولة الاحتلال بحق الشعب الفلسطينى وحشده ضدها.. خاصة أن الجرائم التى تناولتها المرافعة المصرية تتم منذ نحو سبعة عقود كاملة! كما أن المرافعة المصرية نبّهت العالم وكل الغافلين إلى أن تأمين سلامة المدنيين داخل فلسطين مسئولية دولة الاحتلال، وأن حرمانهم من العيش على أرضهم هو جريمة حرب، وكان التساؤل المصرى على المجتمع الدولى واضحاً ومباشراً ومحدّداً أيضاً، وهو: إلى متى سيظل شعب فلسطين يُقتل وتُغتصب حقوقه؟!
والخلاصة أن مصر موقفها لا يتوقف عند حدود تقديم المساعدات وإدخالها، حتى لو كان النصيب الأكبر منها مصرياً.. ولا فى إصدار البيانات أو عقد الاجتماعات.. إنما وهى جارة لفلسطين المحتلة وعلى حدود الكيان الصهيونى الذى معه معاهدة تحدٍّ، أو من المفترض أن تحد من المواقف المصرية تجاه العدو، لكن ومع ذلك تدير مصر معركتها على كل المسارات المتاحة حالياً.. سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً.. وكل هذه المسارات مزعجة لدولة الاحتلال الذى يكاد ينفجر بالغضب من بلادنا، فيلجأ لاختلاق الأكاذيب من عينة «التنسيق» مع مصر تارة.. وتارة أخرى من عينة «المساعدات لا تدخل من معبر رفح من الجانب المصرى»، إلى «تراجع مصر عن دعم دعوى جنوب أفريقيا».. إلخ، لكن على صخرة الصدق المصرى والتماسك والانسجام بين الأقوال والأفعال تخلق المواقف الصحيحة وتتحطم الأكاذيب!