ماذا حدث في «ليلة العاشر من رمضان»؟
.. فى وقت الفجر فى ليلة العاشر من رمضان الموافق (٦ أكتوبر ١٩٧٣) كانت أصوات التواشيح مُنتشرة، بَعدَها القرآن الكريم يعُم أرجاء مصر المحروسة وصادراً من «إذاعة القرآن الكريم» بصوت الشيخ محمد أحمد شبيب، وللصدفة السعيدة كان يتلو آيات من الذِكر الحكيم من سورة آل عمران - الآيتين ١٥٧ و١٥٨ - (وَلَئِن قُتِلتُم فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَو مُتُّم لَمَغفِرَة مِّنَ اللَّهِ وَرَحمَةٌ خَيرٌ مِّمَّا يَجمَعُونَ، وَلَئِن مُّتُّم أَو قُتِلتُم لَإِلَى اللَّهِ تُحشَرُونَ)، ثم استمر فى التلاوة حتى وصل لـ«آية ١٦٠»: (إِن يَنصُركُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُم وَإِن يَخذُلكُم فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّن بَعدِه وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ)، ثم استمر فى التلاوة حتى وصل لـ«الآية ١٦٩» (وَلَا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتَاً بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ).. الفجر يؤذن.. المساجد عامرة بجموع المصريين المعروف عنهم التقوى والصلاح والتزامهم الدينى بأداء الشرائع الدينية باستمرار وخشوع خلال شهر رمضان الكريم، كانت دعواتهم للوطن الغالى «مصر» تهز الوجدان، خرج المصريون من المساجد، المِسبحة فى يد غالبية الشعب المصرى ويُرددون (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)
.. كان يبدو هذا المشهد عادياً وطبيعياً مثل أيام كثيرة مضت.. ساعات قليلة وامتلأت شوارع «مصر» المحروسة، العمال يذهبون للمصانع، الفلاحون يذهبون لأرضهم، والتجار يفتحون محلاتهم ويبدأون يومهم بتشغيل (الراديو) ويستبشرون بـ«إذاعة القرآن الكريم» حيث صوت القرآن الكريم، الحياة تسير هادئة، المدارس والجامعات ممتلئة بالتلاميذ والطلاب، المصالح الحكومية تعمل فى هدوء أقرب إلى الصمت المريب.. كان الشعور بالإحباط هو السائد بين جموع المصريين، ظن البعض أن (المارد المصرى) نائمً وهو راضٍ بالأمر الواقع، وظن البعض -أيضاً- أن (نكسة يونيو ١٩٦٧) -التى مر عليها (٦) سنوات- ستظل نكسة مكتوبة على جِباهنا ولن نمحوها من تاريخنا.
.. كانت «شمس مصر» -التى لا تغيب- ساطعة فى وقت الظهيرة، صوت «أذان الظهر» يُدوى فى المساجد، وما زال الانكسار والضعف والهوان يبدو على وجوه المصريين، فالابتسامة غابت، والكرامة أُهدِرَت، والأرض اغتُصِبَت، والانتظار طال، ولم يعُد أحد يُفكر إلا فى استعادة الأرض والكرامة ورفع الرأس ومحو الهزيمة.. بَعدَها جاء صوت «أذان العصر».. لكن ما زالت «المسبحة» فى يد غالبية الشعب المصرى ويُرددون (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)
.. أصوات «الراديو» ما زالت تخرج، وكالعادة «الراديو» فى المقاهى والمحلات والمصانع والبيوت.. فجأة انقطع الإرسال فى تمام الساعة الرابعة وبدأت إذاعة المارشات العسكرية، وقتها التفت المصريون إلى (الراديو) أكثر والتفوا حوله، وكأن قلوبهم خُطفت منهم، صدورهم تتنفس الصعداء، مشاعرهم الوطنية انتفضت، عيونهم تنظُر لبعضهم فى دهشة، وكأنهم ينتظرون «مَيَّة المحاياة»، الجميع صامت لمدة (٧) دقائق وهُم يستمعون للمارشات العسكرية.. فجأة بدأ صوت «المذيع حلمى البُلُك» يظهر ويقول (هُنا القاهرة، جاءنا الآن من القيادة العامة للقوات المسلحة البيان التالى، نجحت قواتنا فى اقتحام قناة السويس فى قطاعات عديدة، واستولت على نقاط العدو القوية بها، وقامت برفع «علم مصر» على الضفة الشرقية للقناة، هُنا القاهرة)
.. صُراخ وتهليل وهتافات ودموع وابتسامات وأحضان وقُبلات، الكُل يقفز من مقعده ويهتف فى صوت واحد: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، الكُل يهتف فى صوت واحد (عَبرنا القناة)، الفرحة تعُم شوارع مصر بأكملها، الشعب يخرج للشوارع للاحتفال رغم الصيام، سعادة غامرة، المصريون يباركون لبعضهم، الكُل يقول فى صوت واحد: (الحمد لله).
.. «المارد المصرى» استيقظ وفاجأ العالم، وتم محو الهزيمة، وسطعت شمس الانتصار، أبطال القوات المسلحة غيروا التاريخ وانتصروا وحققوا المستحيل وهزموا الجيش الذى لا يُقهر وأعادوا الأرض ورفعنا رؤوسنا واحترمنا العالم لأننا تحمّلنا وناضلنا وكافحنا وخططنا وحاربنا -ونحن صائمون- وانتصرنا تحت قيادة الرئيس العظيم الراحل أنور السادات بطل الحرب والسلام.. فتحية للرجال الذين أزالوا الغُمة وحققوا أعظم انتصارات الوطن فى العاشر من رمضان.