شرق أوسط «نتنياهو» بين الوهم والحقيقة

بلال الدوي

بلال الدوي

كاتب صحفي

فى أوائل الأسبوع الأخير من (سبتمبر ٢٠٢٣) ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الـ(٧٨) كشف خلالها عن تغيير فى خريطة المنطقة العربية ووصفها بأنها ستُعتبر «شرق أوسط جديد». المفاجأة فى خريطة «نتنياهو» أنها لم تشمل أى ذِكر لوجود «دولة فلسطينية» فى الضفة الغربية وقطاع غزة. البعض اعتبر أن خريطة «نتنياهو» هذه مُجرد أحلام يتمنى تحقيقها، بل هى أقرب لأوهام يعيش فيها ويخدع نفسه بأنه قادر على تنفيذها

لكن بعد مرور أسبوعين - وتحديداً فى (٧ أكتوبر ٢٠٢٣) - حدثت المفاجأة الأكبر فى الصباح الباكر، بقيام عدد من عناصر كتائب عز الدين القسام -الجناح العسكرى لحركة حماس- وبمساعدة من الأجنحة العسكرية لعدد من الفصائل الفلسطينية الأخرى، ومنها سرايا القدس، باقتحام غلاف غزة والدخول للمستوطنات الإسرائيلية واقتحام أسوار عدد من المقرات العسكرية والاستيلاء على وثائق مهمة وأَسر عدد كبير من المدنيين (كانوا فى حفل موسيقى) والعسكريين (منهم رُتب عسكرية كبرى وجنرالات) وعادوا بهم إلى غزة.. كانت هذه ضربة غير مسبوقة للاحتلال، واعتبرها البعض بمثابة قلم على جبين نتنياهو وحكومته المُتطرفة.

صدمة انتابت نتنياهو وحكومته، لم يستفيقوا منها إلا بعد مرور (٤٨) ساعة، كانت كل مؤسسات الكيان المحتل فى حالة انعدام وزن، لكن أمريكا لم تترك إسرائيل، تحرك الرئيس الأمريكى جو بايدن سريعاً وجاء على الفور لإسرائيل وحضر اجتماع مجلس الحرب، وهى المرة الأولى على الإطلاق أن يحضر رئيس أمريكا مجلس الحرب الإسرائيلى، بل حضر - أيضاً- وزير الدفاع الأمريكى لويد أوستين، وحضر -أيضاً- أنتونى بلينكن، وزير الخارجية الأمريكى، وقال كلمته الشهيرة: حضرت إلى إسرائيل لا بصفتى وزير خارجية أمريكا بل بصفتى يهودياً، وحضر أيضاً زعماء وقادة أوروبا مُعلنين دعمهم الكامل لإسرائيل.. هذه اللحظة كانت مربط الفرس، استغلها نتنياهو كذريعة للانتقام ولتفعيل خطته الجديدة للبدء فى تنفيذ جاد لخريطة جديدة للشرق الأوسط التى أعلنها على منبر الأمم المتحدة.

فعل نتنياهو ما لم يتوقعه أحد من جرائم إبادة جماعية وهدم وقصف المنازل والمدارس والمستشفيات ومقرات المنظمات الدولية بالصواريخ الحارقة، قتل -حتى الآن- ما يقرب من (٢٥) ألف فلسطينى فى قطاع غزة، تم تهجير أهالى شمال غزة للجنوب، ويضرب الآن جنوب غزة بالصواريخ، منع دخول المساعدات وقطع الكهرباء والماء والدواء والاتصالات والإنترنت، والآن الوضع أقرب للمجاعة بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ.

أوهام عاشها «نتنياهو» وظن أن ما أقدم عليه قادر على القضاء على أهالى غزة وترحيلهم من أراضيهم وتصفية القضية الفلسطينية وتنفيذ خطته للشرق الأوسط الجديد بمَسح فلسطين من على الخريطة، لكن «مصر» وقفت له بالمرصاد، وجعلته يستفيق من أوهامه ويعيش الواقع بدلاً من أحلام اليقظة التى حلم بها ويريد تنفيذها، رفضت «مصر» تهجير الفلسطينيين، فظل الفلسطينيون فى أراضيهم وسيعودون لشمال غزة رغم أنف «نتنياهو».

استمع قيادات المنظمات الدولية، ومنها الأمم المتحدة، لرؤية مصر الرافضة للتهجير، فخرج أنطونيو جوتيرش، الأمين العام للأمم المتحدة، يرفض التهجير، ووكيله مارتن جريفيث -أيضاً- رفض التهجير، وأصبح الرأى العام العالمى كله يرفض التهجير، واجتمع «الرئيس السيسى» مع كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأمريكى، فى دبى خلال المشاركة فى (COP 28)، وأوضحت أنها تؤيد رؤية مصر برفض التهجير.

كان هذا انتصاراً لمصر ولرئيسها ولسياساتها الخارجية الرشيدة، وستظل فلسطين موجودة وأهلها صامدين فى أراضيهم، هذه هى الحقيقة التى أدركها نتنياهو، فهل استفاق من أوهامه وأحلامه؟ لا، لن يستفيق من أوهامه إلا بعد خروجه من منصبه -غير مأسوف عليه- وتقديمه للمحاكمة قريباً جداً.