تأملات في يوم الشهيد

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

ونحن نحتفل بيوم الشهيد فى 9 مارس من كل عام، علينا أن نتأمل مشهدين متكررين، لنتأكد أن فكرة الاستشهاد دفاعاً عن الوطن عند المصريين تحديداً، إنما هى فكرة متجذرة وعميقة فى نفوسهم، وأن المصرى عادة ما يتماهى مع الوطن، ويرى دائماً أن حياته هى أقل ما يمكن أن يضحى به فى سبيل الدفاع عن أمنه وسلامته.

المشهد الأول -المتكرر- عندما يتم ضرب أحد الأكمنة الأمنية الثابتة، واستشهاد بعض أو كل أفراده من ضباط وجنود، وفى اليوم التالى تجد الكمين كما كان، وبكامل طاقمه من ضباط وجنود آخرين من بين زملاء من استشهدوا بالأمس.

لم نسمع مثلاً عن إصابة أحد المكلفين الجدد بالانهيار العصبى بعد تكليفه بمسئولية كمين فى مرمى نيران أعداء الوطن، ولم نعرف أن أحدهم تمارض أو تهرب من المهمة التى قد يدفع حياته ثمناً لأدائها.

المشهد الثانى ويتكرر كل عام برؤية عشرات الآلاف من الشباب المتقدمين للالتحاق بالكليات العسكرية، وكلية الشرطة أيضاً، وهم يعتبرون أنفسهم «مشاريع شهداء» دفاعاً عن أمن مصر والمصريين، وهم يدركون تمام الإدراك أن شعار المؤسسة العسكرية هو «النصر أو الشهادة»، فثقافة الأجيال الشابة اكتسبت، بفضل الشهداء، أبعاداً جديدة حول الروح الوطنية المقترنة بالتضحية.

وإذا كان هذا مسلك الشباب، نجد فى المقابل الموقف الرائع لأهلهم الذين يشعرون بالفخر لمجرد التحاق ابنهم بإحدى الكليات العسكرية، ولعل بعضنا قد صادف أسراً لديها ابن وحيد، معفى بحكم القانون من دخول الجيش، ومع ذلك تشجعه على الالتحاق بالكليات العسكرية، حباً فى تراب الوطن، وإيماناً بأهمية الانتماء له والدفاع عنه، حتى لو فقد حياته فى سبيل ذلك.

حتى مشهد استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض الذى خلدته مصر، واعتبار ذلك اليوم من كل عام هو يوم الشهيد، يمكن الوقوف أمامه لتأكيد عمق فكرة الاستشهاد عند المصريين.

الفريق عبدالمنعم رياض باعتباره رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة المصرية، أشرف بنفسه على بدء تنفيذ خطة تدمير خط «بارليف»، خلال حرب الاستنزاف، وفى التوقيت المحدد انطلقت النيران المصرية على طول خط الجبهة لتكبد الإسرائيليين أكبر قدر من الخسائر فى ساعات قليلة، وقرر «الفريق رياض» أن يزور أكثر المواقع تقدماً التى لم تكن تبعد عن مرمى المدافع الإسرائيلية بأكثر من 250 متراً، وفجأة انهالت نيران العدو على الموقع الذى كان يقف فيه وسط جنوده واستمرت المعركة التى كان يقودها «الفريق رياض» بنفسه حوالى ساعة ونصف الساعة إلى أن انفجرت إحدى طلقات المدفعية بالقرب منه، ونتيجة للشظايا القاتلة وتفريغ الهواء استشهد الفريق عبدالمنعم رياض متأثراً بجراحه، وكان يمكنه أن ينجو بسهولة لو سارع بالفرار من موقعه، كما كان بمقدوره كرئيس لأركان الجيش أن ينيب من يتولى بدلاً منه الإشراف المباشر على المعركة، ويبقى هو فى الخطوط الخلفية مراقباً وموجهاً، لكنه لم يفعل، وقد غلبته فكرة الدفاع عن الوطن والاستشهاد من أجله، وفى أعماقه المعنى الاسمى لفكرة الاستشهاد نفسها، والفريق عبدالمنعم رياض كان كمعظم المصريين يرى أن الجود بالنفس من أعلى درجات الإخلاص للوطن، وهو العطاء الذى لا يمكن تقديره بثمن، ولذلك تبقى بطولات شهدائنا -عسكريين ومدنيين- محفورة فى وجداننا الجمعى، ولا يمكن محوها من ذاكرة الوطن.