مصر بتفرح.. في عيد الغطاس

مصر بتفرح.. في عيد الغطاس
- عيد الغطاس
- البابا تواضروس
- الإسكندرية
- احتفالات الغطاس
- عيد الغطاس
- البابا تواضروس
- الإسكندرية
- احتفالات الغطاس
«بلامبيصا وعجوزة العيد وشمعدان القصب» نماذج من التأثير الشعبى المصرى على عيد الغطاس، فلم يصبح مجرد عيد مسيحى فحسب، بل امتد إلى كونه مناسبة احتفالية كبرى للمسيحيين والمسلمين أو المصريين عموماً، ودخل فى موروث العادات الشعبية المتوارثة جيلاً بعد جيل.
ارتبط عيد الغطاس بأكل القلقاس والقصب والبرتقال، لما له من رموز تناسب العيد، ومع الوقت والإبداع المصرى تحولت المأكولات إلى إبداعات فنية، فحوّلوا البرتقال إلى مصباح منير يسمى «البلامبيصا» والقصب إلى شمعدان شمع يحوى 3 شمعات مختلفة، بالإضافة إلى وضع القصب أسفل الوسادة خوفاً من «عجوز العيد» التى تعبث بأرجلهم ليلاً كإحدى الخرافات المتوارثة فى صعيد مصر.
«الوطن» ترصد هنا جانباً من احتفالات المصريين بعيد الغطاس، وأبرز مظاهره الشعبية.
إطلاق «حمام أبيض» وتوزيع الكعك تقاليد يونانية على شواطئ الإسكندرية
أثرت العادات القبطية لعيد الغطاس على الوافدين إلى مصر أيضاً، وهو ما تجلى من عادات وطقوس يمارسها بطريرك الروم الأرثوذكس على شواطئ الإسكندرية تزامناً مع عيد الغطاس، وإن كان يفعلها بشكل سنوى حسب عيد الغطاس بالتقويم الغربى يوم 6 يناير، أى قبل العيد، حسب التقويم الشرقى بقرابة 12 يوماً، إلا أن الروح القبطية حاضرة فيه.
داخل النادى البحرى اليونانى فى الإسكندرية، يبارك البابا ثيودروس الثانى، بطريرك الروم الأرثوذكس، المياه، ثم يطلق حماماً أبيض، فى إشارة إلى الروح القدس، الذى ظهر بشكل حمامة وقت معمودية يسوع المسيح على يد يوحنا المعمدان فى نهر الأردن، ثم يلقى الصليب فى البحر، ويتبعه نزول 3 شباب من أجل جذبه مرة أخرى للبطريرك، الذى يعاود الأمر بإلقائه، وهو الأمر الذى يتكرر 3 مرات، ويتبعه تقديم البطريرك الهدايا لهم، ويختتم بكعكة العيد.
ويقول المطران ناركسيوس، الوكيل البابوى للروم الأرثوذكس فى الإسكندرية، إن طقس عيد الغطاس أمر اعتاده البطريرك كل عام، وتتبعه احتفالية فى النادى اليونانى ذاته، حيث يقطع البطريرك كعكة الـVasilopita، وتوزيعها على المؤمنين، مؤكداً أن هذا الأمر واحد من التقاليد الأكثر جمالاً، وملهم للكنيسة الأرثوذكسية فى العام الجديد.
وكيل «الروم الأرثوذكس»: البحر الأبيض يوحّد الشعوب
وأضاف الوكيل البابوى للروم الأرثوذكس فى الإسكندرية، فى تصريح خاص لـ«الوطن»، أن تلك العادة تقوم بشكل سنوى ويبارك البطريرك البحر ويلقى الصليب بداخله رمزاً لمعمودية السيد المسيح فى نهر الأردن.
وأكد أن هذا تقليد يمتد لقرون فى مدينة الإسكندرية التاريخية، لافتاً إلى أن البابا ثيودروس أكد أن البحر الأبيض يوحّد كل الشعوب ويخلق تعايشاً حوارياً بما تمارس به من عادات تجمع الجميع، قائلاً: «يجب أن يظل البحر الأبيض المتوسط هو البحر الذى سيوحّد دائماً الشعوب من حوله فى تعايش حوارى وبنّاء، وألا يجب أن نسمح أبداً بأن يكون بمثابة جدار مائى للتقسيم والعزلة بين هذه الشعوب».
لم تقتصر عادة عيد الغطاس عند البحر الأبيض المتوسط فحسب، بل تجرى خدمة تقديس المياه فى كل كنيسة، فيقول المطران أنطونيو نيكولا، المتحدث باسم بطريركية الروم الأرثوذكس، إنه بحلول الروح القدس على المياه تحل النعمة والبركة الإلهية وتصبح ينبوعاً للشفاء والتقديس.
وتابع: «يقوم الآباء الكهنة بزيارة بيوت رعاياهم لنقل نعمة وبركة عيد الظهور الإلهى إلى بيوتهم، وذلك بنضح بيوتهم بهذه المياه المقدّسة، فيتباركون وتتبارك حياتهم الخاصة التى يُعبر عنها المكان الذى يعيشون فيه ويوجد فيه أغراضهم». وأكد أن تكريس المنازل بالمياه المقدّسة هو نتيجة نظرة إيمانية بأن النعمة والبركة تنقل إلى البيوت.
«عجوزة الغطاس ولقمة القاضى وصليب القصب».. العيد فرحة
«شوية مطر وقداس مع عودين قصب وحلة قلقاس يبقى أحلى عيد غطاس»، هكذا اعتاد الأقباط على قضاء عيد الغطاس، أحد الأعياد السيدية الكبرى فى المسيحية، فى ليلة 18 يناير حتى صباح 19 من الشهر ذاته، فى أجواء احتفالية طقسية يتبعها فلكلور شعبى متوارث وعادات غريبة ارتبطت فى ذهن أقباط الصعيد تحديداً، والذين يتوارثونها حتى بعد الرحيل إلى المدن.
أول تلك الأجواء الغريبة هى الأسطورة الشعبية «عجوزة الغطاس»، حيث اعتاد عدد من الأسر المسيحية المصرية وضع أعواد القصب تحت المخدات أثناء النوم وترك بقايا من الطعام على الموائد، خوفاً من مجىء «العجوزة» ليلاً بعد نومهم وعدم إيجادها شيئاً لتأكله.
«جيهان»: اللى ماياكلش قصب وقلقاس يصبح من غير عصب وراس
«واللى ماياكلش القصب والقلقاس يصبح من غير عصب وراس»، هكذا تقول جيهان عياد، 40 سنة، ربة منزل فى الإسكندرية، موضحة أنها مقولة متداولة ومتوارثة بين الأقباط عند الاحتفال بعيد الغطاس، فيحرصون على أكل القصب والقلقاس ووضع ما تبقى من القلقاس على الموائد بالمنزل وأعواد القصب أسفل وسادات النوم الخاصة بهم وبأطفالهم أثناء النوم لتجد «عجوزة الغطاس» ما تأكله، فلا تتسبب فى إزعاج النائمين.
وأضافت «عياد» لـ«الوطن» أن ذلك العيد يرتبط أيضاً بالحلويات التى يتم إعدادها عشية عيد الغطاس «لقمة القاضى والزلابيا»، وذلك لرمزها إلى الغطاس، فعندما يغطس العجين بالزيت، فهو تشبيه بغطاس المسيح فى نهر الأردن، وعندما تطفو فهى ترمز إلى صعود المسيح من بعد الغطاس، لافتة إلى أنها عادات شعبية متوارثة قد لا يكون لها ارتباط طقسى بالكنيسة، إلا أن الشعب المصرى اعتاد ربط أعياده بالمأكولات، للشعور بأجواء كل عيد عن الآخر.
لم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل إنه يتم صنع صليب من أعواد القصب من خلال ربط عودين بشكل تقاطعى، فيصبح صليباً ويتم حفر أجنابه لوضع الشموع، فيصبح أشبه بشمعدان الشموع، حيث توضع فيه 3 شمعات.
«بنجيب قطعتين قصب ونعملهم بشكل متقاطع ويكون أشبه بالصليب ونحفر جانبيه ونحط فيهم شمعة على كل جانب، ونحفر فى الجانب العلوى ونحط فيه شمعة تالتة وكأنه شمعدان شموع» هكذا تقول ماريام إيهاب، 22 سنة، طالبة بكلية طب الأسنان، لافتة إلى أنها عادة متوارثة من أجل ربط المعتقدات الكنسية عبر أشياء منظورة.
وأضافت «إيهاب» لـ«الوطن» أن عيد الغطاس يُسمى أيضاً عيد الأنوار، لذلك يتم إشعال الشموع مع القصب.
«ماتلدا» تصنع «البلامبيصا» لأحفادها: «ربنا مايقطع لنا عادة»
جيل وراء جيل يتوارث عادة «البلامبيصا»، لإضفاء جو من البهجة على احتفالات عيد الغطاس المجيد، فمن الجدة «ماتلدا زكى»، مروراً بالأم «سوزى جرجس»، وصولاً إلى أبنائها «جورجينا، جيوفانى، جونير»، جميعهم يجتمعون لتقطيع البرتقال وتحويله إلى مصباح منير.
العادة القبطية الشهيرة، حرصت تلك الأسرة السكندرية على استمرارها منذ أكثر من نصف قرن، بدأ معها تشجيع جيرانهم وأصدقائهم عليها، مما جعل من منزل الجدة «موطناً لصناعة البلامبيصا»، استعداداً للسير بها تجاه الكنيسة قبل قداس ليلة عيد الغطاس. الجدة «ماتلدا» اتخذت مقعداً بجوار ابنتها وأحفادها وجيرانهم، لتعطيهم نصائح تفريغ البرتقال بشكل سلس دون عناء وتخطيط الصليب على القشرة الخارجية، لصنع «البلامبيصا» للأطفال: «عادة من زمان بنتوارثها من جيل لجيل، وفرحانة بلمة بنتى وأولادها وجيراننا معانا كل سنة، حقيقى بتضيف للعيد بهجة».
وأضافت الجدة لـ«الوطن» أن تصنيع البلامبيصا يحتاج فقط إلى يوم واحد يسبق ليلة عيد الغطاس، حيث يجرى شراء البرتقال الكبير ذى القشرة السميكة، وسلك براويز العسل الآمن للأطفال. وأوضحت أنه يتم قطع الجزء العلوى من البرتقال، على أن يتم تفريغه بحرص من مكوناته الداخلية «الفصوص» بالملعقة، للحفاظ على قشرته الخارجية دون قطع، ليتم تفريغ جوانبه على شكل صلبان.
تجمع الصغار حولها وتشرح لهم طريقة صناعة مصباح منير من «البرتقال والشمع»
وبجوارها كانت تجلس ابنتها «سوزى جرجس»، 45 سنة، تساعد أطفالها وأصدقاءهم على صنع «البلامبيصا»، وتشرح لهم أسباب صنعها، قائلة: «الكنيسة اتعودت تربط الزرع بالأعياد، ولأن عيد الغطاس منتشر فيه البرتقال فجرّبوا زمان يعملوا منه الشورية دى بسبب قوة قشرته وعدم وجود كهرباء حينها».
وأشارت إلى أن مسمى «البلامبيصا» مشتق من كلمة قديمة «ليمباصة»، أى المصباح المنير، ومع الوقت تحولت إلى «البلامبيصا»، وتحورت أيضاً إلى مصطلح «البلابيصا» فى بعض المدن الريفية.
ولفتت إلى أن عائلتها طوعت تلك العادة وربطها بجانب فنى، حيث تزين السلك الممتد من اليد إلى البرتقالة بحبات المكرونة، التى تجعل الأطفال الصغار يلونونها للمشاركة فى صنع «البلامبيصا» فى حال كانوا صغاراً غير قادرين على تقشير البرتقال أو رسم الصليب عليه بالسكين، حرصاً على سلامتهم.
«القصب والقلقاس».. الأكثر رواجاً فى أسبوع العيد
شهدت الأسواق فى كل محافظات مصر رواجاً على بيع القصب والقلقاس كونهما المأكولات الرئيسية فى عيد الغطاس، حيث يتهافت عليهما الجميع من أجل شرائهما لاستخدامهما فى الطقوس السنوية لاحتفالات العيد.
تلك العادة خلقت رواجاً فى الأسواق لبيع تلك المنتجات ففى كل شارع تجد باعة القصب متراصين يجلبون الأعواد الشاهقة ويكسرونها إلى قطع أصغر ويتم تجميعها فى رَبطة صغيرة «لبشة قصب» لسهولة شرائها وحملها إلى المنازل. «مارشلينو سعيد» 22 سنة، أحد بائعى القصب فى الإسكندرية يقف رفقة إخوته وأصدقائه لكسب رزقهم أمام الكنائس من أجل جذب المصلين لشراء القصب، وهو الأمر الذى يبدأ قبل أسبوع من عيد الغطاس ويستمر حتى ليلة العيد.
«مارشلينو»: البيع كله بركة ورزق وفرحة.. و«مريم»: «بابيع القلقاس من أول يوم فى السنة»
ويقول «مارشلينو» لـ«الوطن»، إن بيع القصب بالنسبة لهم بركة ورزق كونهم يشاركون فى تسهيل منتجات طقوس العيد بالإضافة إلى أنه باب رزق، لافتاً إلى وضعهم هامش ربح بسيطاً تيسيراً على المواطنين من أجل الاستمتاع بطقس العيد، حيث يبدأ سعر «اللبشة» لديهم من 7 جنيهات وترتفع وفقاً للحجم والكمية.
على الجانب الآخر يقف بائعو القلقاس الذين يواصلون البيع حتى قبل يومين من عيد الغطاس، حيث يتم شراؤها سريعاً من الأسواق، فتقول مريم خليفة، 42 سنة، إحدى البائعات لـ«الوطن»، إنها تبيع الخضار فى سوق القاهرة بالإسكندرية إلا أنه بعد الأسبوع الأول من شهر يناير تفرش باكيتها بالقلقاس كونه الأكثر رواجاً فى تلك المدة، لافتة إلى أن الكيلو يصل إلى 10 جنيهات هذا العام.
ويفسر القمص إبرام إميل، الوكيل البابوى بالإسكندرية، سبب ارتباط الأقباط بالقلقاس فى عيد الغطاس كونه يُزرع عن طريق دفنه كاملاً فى الأرض، ثم يصير نباتاً صالحاً للطعام، وهذا رمز إلى المعمودية التى هى موت ودفن وقيامة مع المسيح.
وأضاف الوكيل البابوى لـ«الوطن»، أن القلقاس فيه مادة سامة ومضرة للحنجرة تُسمى «المادة الهلامية»، لكنها متى اختلطت بالماء تحولت إلى مادة نافعة مغذية؛ ونحن وفق هذا المفهوم نتطهر من سموم الخطية كما يتطهر القلقاس من مادته السامة بواسطة الماء، كما أن القلقاس لا يؤكل إلا بتعريته وخلع قشرته الصلبة الخارجية، ونحن أيضاً نخلع ثياب الخطية لكى نلبس ثياب الطهارة والقداسة.