د.ايناس مسعد سرج تكتب: الذكاء الاصطناعي.. والإدمان الرقمي (2)

د.ايناس مسعد سرج تكتب: الذكاء الاصطناعي.. والإدمان الرقمي (2)
إذا كانت أجهزة الأمن في كل دول العالم قادرة الإمساك بمروجي المخدرات وأثرياء نشر الإدمان وتسليمهم للعدالة، فقد بات التحدي أكبر فيما يعرف بالإدمان الرقمي لمواقع التواصل الاجتماعي، فهذه المنصات لا تريد أموالنا فهي مجانية، بل تريد الوقت الذي نستهلكه داخلها والذي تحقق من ورائه المليارات من الإعلانات، فهي تعمل على زيادة إحساس المستخدمين بالسعادة والنشوة باعتبارها مكافأة للمستخدم من كثرة استخدامها، وكلما أصبحت العلاقة بين الاستخدام والمكافأة أقوى كلما ترسخ الإدمان، من خلال ما يعرف بالتعلم الشرطي وهو أصل قدرة عقولنا منذ الطفولة على اكتساب الخبرات إلا أن هذا الإدمان له تأثيراته السلبية على الأفراد والمجتمعات ولكن كيف وما السبيل للعلاج؟
لقد أصبح النص الإلكتروني جزءا مهما من حياتنا اليومية، عبر جهاز ذكي لم نعد نحتمل فراقه إلا ساعات النوم، إننا نعتقد أننا نتماهى مع ما نحب من موضوعات وأشخاص، ولكن الواقع أننا نتماهى مع جهاز ذكي يعرف كيف يجبرنا على مرافقته فى كل الأوقات والأماكن، وسمحتا له أن يمرر لنا الموضوعات التي تهمنا من خلال احتفاظه بسجل معلومات تفصيلي عنا، وأقنعنا مروجو هذا الإدمان أن عدم المشاركة في هذه الآلة علامة من علامات التخلف والعزلة والجمود , لكننا في الواقع نحمل في ايدينا آلة الإدمان.
إن المشكلة الأساسية تكمن في عواقب إدمان التفاعل مع هذه المنصات الناتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتسليع البيانات , حيث تستغل المنصات استراتيجيات المخ والجهاز العصبي لتجعل عقولنا تتعامل معها مثلما تتعامل مع القمار والكوكايين، لإبقائنا نستخدم منتجاتها. وتجعل عقولنا ترغب في المزيد من التفاعلات الاجتماعية التي تجعلنا نشعر بالرضا والسعادة. وهو ما يدفعنا لتكرار مثل هذا السلوك ويقود ذلك إلى إنشاء نمط إدماني سلبي.
كما ساهم ظهور التصميم الإدماني والذي يستغل الذكاء الاصطناعي بكفاءة على جعل المستخدمين لا يقاومون سلوكيات الانغماس في الاستخدام، إذ يشعرون بحالة من القلق والضيق بسبب عدم المشاركة الرقمية، تعرف باسم «الخوف من الضياع» وكانت أدوات تنفيذ ذلك هي تصميم أيقونات التفاعل.
ونظرا لأن «الإدمان السلوكي» عملية شخصية فقد اعتمد التصميم الإدماني على الذكاء الاصطناعي في تخصيص التجارب لكل مستخدم، وأصبح الأخطر الآن هو اقتناء هذه المواقع لكم هائل من المعلومات التفصيلية حول تفضيلات وسلوكيات المستخدمين بشكل فردي في كل مكان فى العالم، وعمل روابط واستنتاجات وتحليلات من البيانات الخاصة بالسلوكيات الجماعية للمستخدمين في مكان ما للوصول إلى تنبؤات معقدة حول سلوك المستخدم المحتمل، وإنشاء توصيات خاصة بكل شخص على حدة، بحيث لا يحتاج المستخدمون إلى البحث، فالخوارزميات الذكية تعرف بدقة تفضيلات المستخدمين وما يحلو لهم والتي يمكن استخدامها بعد لأغراض اقتصادية أو سياسية إذ اقتضت الضرورة ذلك.
فمن خلال خوارزمية الذكاء الاصطناعي يتم مراعاة تفضيلات كل مستخدم وأنماط استخدامه، فمثلا موقع TikTok يعمل وفقا لهذا المبدأ. حيث تم تصميم نظام فيديوهات موصى بها متطور لجمع بيانات مختلفة حول سلوك المستخدمين، ونوع المحتوى الذي يشاهدونه، ووقت المشاهدة وموقعهم الجغرافي، وأوقات إعادة تشغيل الفيديو، وحتى الحالات العاطفية التي ينقلها الفيديو، ثم يتم استخدام كل هذه البيانات لإجراء توصيات من الموقع لزيادة عملية المشاهدة بما يوفر تجربة تتناسب مع التنوع السيكولوجي لكل مستخدم على حدة.
وهناك تأثيرات من نوع آخر أحدثها الذكاء الاصطناعي هي زيادة الوقت الذي نقضيه في مواقع التواصل، مع حظر أي شيء ينقل للمستخدم الشعور بمرور الوقت، وقد استغلت الرأسمالية الرقمية هوس الرغبة البشرية فى الإشباع المعلوماتي والاجتماعي، عبر توظيف الذكاء الاصطناعي فيما يعرف بـ رأسمالية مراقبة الاستهلاك الشخصي وتسليع البيانات الشخصية.
كما ساهم الإدمان لمواقع التواصل أيضا في ظهور الكثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية منها تدمير الحياة المهنية للمستخدمين وعلاقاتهم الاجتماعية الواقعية، وزيادة تشتتهم، وقلقهم، واكتئابهم وضعف إنتاجيتهم وانخفاض كبير في الصحة العقلية، وارتفاع حالات انتحار المراهقين، لذلك تحولت هذه المنصات إلى شكل من أشكال إيذاء الذات الرقمي وباتت التجارب الرقمية المسببة للإدمان يطلق عليها «المشكلة الشريرة».
نتيجة لبروز هذه المخاطر فقد اهتمت اتجاهات البحث فى الإعلام الجديد بالتأكيد على الحاجة إلى مزيد من الاعتبارات الأخلاقية في كيفية استخدامنا للتكنولوجيا، خاصة فيما يتعلق «بالأشكال المظلمة» من الناحية الثقافية والمجتمعية، ولعل الذكاء الاصطناعي يمكن أن يستخدم كأداة لدعم الشفافية عبر خلق نقاش صريح حول مسببات «الإدمان» حيث أثبتت الأبحاث الحديثة فعالية التنبيه الذي يمكن أن يقدم للمستخدمين عندما بداية ظهور أعراض الإدمان الرقمي عليهم وبالتالي، يمكن للمصممين إنشاء آليات تساعد المستخدمين على بناء ما يعرف «بالأجسام المضادة للأشياء المسببة للإدمان» وهو ما يقوم به فعلا تطبيق فورست والذي يقوم برسم شجرة افتراضية تذبل كلما استخدمت التقنية في أوقات غير التي قمت بتخصيصها مسبقا بجانب توفير إحصائيات حول معدلات الاستخدام الخاصة بالشخص.
وعلى أية حال فإن النمو المتزايد لأدوار العقول الإلكترونية، يجعلنا نتساءل هل يمكن ان تصبح هذه العقول الإلكترونية أكثر ذكاءً وأن تقود العالم، أم أن المشكلة الحقيقية هي أن هذه العقول قد استولت بالفعل على العالم، رغم أنها هي الأكثر غباء؟.