هل يحقق «لابيد» الأمن للإسرائيليين؟
لم تنتهِ الحرب التى تشنها إسرائيل على الفلسطينيين، بل قد تكون بدأت للتو مع شعور إسرائيل بالزهو والانتصار الذى حققته فى الاعتداء الأخير على قطاع غزة، ونجاحها فى اغتيال قائدين مهمين فى سرايا القدس، الجناح العسكرى لحركة الجهاد الإسلامى، هما «تيسير الجعبرى»، المسئول عن المنطقة الشمالية، و«خالد منصور» قائد المنطقة الجنوبية، الذى اغتالته فى رفح. انتصار حسبته إسرائيل كنزاً ثميناً، سيزيد ارتفاع أسهم رئيس الوزراء المؤقت «يائير لابيد» الذى يطمع فى فوز محقّق فى انتخابات الكنيست المقبلة لاختيار رئيس وزراء وحكومة جديدة، والمقرر إجراؤها بعد ثلاثة أشهر، بعد أن تم حل الكنيست منذ شهر تقريباً.
تعود كل مرشح لرئاسة الوزراء فى إسرائيل أن يقدم قرباناً من دماء الفلسطينيين للناخب الإسرائيلى، حتى تصعد أسهمه ويضمن أعلى أصوات للناخبين، و«لابيد» ليس بعيداً عن هذه العقيدة التى مارسها من قبله رؤساء الحكومات المتعاقبة، لذا كان قرار الحرب على حركة الجهاد الإسلامى وتصفية قادتها جزءاً من هذا المخطط، ولم يكن «لابيد» عبقرياً فى اختيار الزمان والمكان، للفت النظر فقط، بل كانت الظروف مواتية بالنسبة له، فالتوتر فى مناطق الاشتباك بين الفلسطينيين وإسرائيل على أشده، خاصة فى جنين والقدس، وبالطبع قطاع غزة، وكان طبيعياً أن يركب «لابيد» الموجة العالية لأخطر ملف يشغل بال الإسرائيليين، وهو ملف «الأمن»، ليطرح نفسه كرئيس وزراء قوى لهم.
إسرائيل رغم الهدنة الهشّة التى تم الاتفاق عليها مع حركة الجهاد فى غزة بوساطة مصرية لم تُنهِ ضرباتها للمقاومة الفلسطينية، بل قامت بتوسيعها، باغتيال قائد كتائب الأقصى، الجناح العسكرى لحركة فتح مع اثنين من رفاقه فى مدينة نابلس فى الضفة الغربية، فضلاً عن أن التوتر على الحدود الشمالية مع لبنان على أشده، بعد أن حشدت إسرائيل قوات من جيشها على الحدود، فى تلويح مباشر لضربة عسكرية إذا ما فشلت المفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، فى ظل النزاع الدائر حول حقل كاريش للغاز الواقع فى المياه الإقليمية اللبنانية، التى تريد إسرائيل السيطرة عليها بقوة السلاح والقوانين الوضعية التى فرضتها سياستها الاستعمارية. إذاً التوتر يتصاعد على أكثر من جبهة، وإسرائيل تتمادى فى استفزاز جميع الأطراف المعنية، ولا تلتفت لاختراقها كل الأعراف والمواثيق الدولية المتبعة فى مثل هذه الأمور.
يائير لابيد الذى بدأ حياته المهنية صحفياً وتنقل بين الإعلام والتمثيل والإنتاج فى هوليوود، ثم دخل المعترك السياسى، لم يكن بعيداً عن هذه السياسة، فبعد عقد من الزمان فى الخدمة العامة على رأس حزب «يش عتيد» (هناك مستقبل) الذى أسسه، ولم يواجه فيه قط أى تحدٍّ للزعامة، استطاع الرجل البالغ من العمر 58 عاماً صنع سيرة ذاتية قوية فى الداخل الإسرائيلى، خاصة فى المناصب الوزارية وفنون الحكم، بعد أن أصبح رئيساً للوزراء فى حكومة انتقالية، بعدما حل البرلمان نفسه فى 30 يونيو الماضى. وقد يضطر «لابيد» لأن يمد حبال الود لمسافات أبعد من أجل الحفاظ على حكومة مستقرة والفوز بالانتخابات التى تجرى أول نوفمبر المقبل، مستفيداً من مقوّماته الشخصية! فقد قامر «لابيد»، رئيس وزراء تصريف الأعمال، حين نفذ ضربته الاستباقية على حركة الجهاد الإسلامى فى قطاع غزة، قبل أقل من ثلاثة أشهر على الانتخابات العامة، التى ينوى خوضها من أجل الحفاظ على منصبه، وقد كسب الجولة، خاصة حين راهن على حياد حركة حماس وبقائها بعيداً عن المواجهة، كجزء من استراتيجية تقوم على أساسها إسرائيل بمنح غزة تسهيلات بإعطاء تصاريح لـ12 ألف عامل لدخول أراضيها، فضلاً عن تسهيل حركة المعابر وإمداد غزة بالمواد الغذائية والبترولية ومواد البناء والطاقة التى يفتقر قطاع غزة إليها، فضلاً عن أن حماس لا تريد الدخول فى الوقت الحالى فى حروب جديدة، فى ظل المعاناة الاقتصادية التى يعيشها سكان غزة، لذا فإن «لابيد» قد أصبح فى موقف أقوى وحقق مكاسب سياسية فى الداخل الإسرائيلى، الذى انتقده من قبل بأنه لا يمتلك الخبرة الأمنية الكافية، خاصة أن الإسرائيليين دائماً يشغلهم البحث عن قادة ذوى خبرات متميزة أمنياً، وهذا ما كان ينقص «لابيد» الوسطى، مقدم البرامج السابق. ويعتبر الإسرائيليون ذلك نقطة ضعف لديه، بعكس رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، الذى يقدم نفسه لانتخابات نوفمبر كـ«أحد الصقور» القادرين على ضمان أمن الإسرائيليين. ويبدو أن «لابيد» قد نجح فى التخلص من هذه الصورة، والقول إنه قادر أيضاً على الردّ سريعاً، واستباق ضربات وشيكة تخطط لها الحركات الفلسطينية، وحتى على الساحة اللبنانية.
أخطر ما فى المشهد السياسى الداخلى الإسرائيلى، هو تحول المجتمع الإسرائيلى كافة إلى يمين متطرف يسعى لتدمير ما تبقى من عناصر القوة الفلسطينية، سواء على صعيد المقاومة العسكرية أو على مستوى السلطة السياسية.