في ذكرى ميلاد شاعر «التريند».. أسرار قواعد العشق التي دمرت عائلة نجيب سرور

في ذكرى ميلاد شاعر «التريند».. أسرار قواعد العشق التي دمرت عائلة نجيب سرور
- نجيب سرور
- زوجة نجيب سرور
- الشعر الغنائي
- أحمد فؤاد نجم
- الزهايمر
- نجيب سرور
- زوجة نجيب سرور
- الشعر الغنائي
- أحمد فؤاد نجم
- الزهايمر
في صيف عام 2000، جمعتني جلسة استمرت 4 ساعات بـ«شهدي» نجل الشاعر والأديب الموهوب نجيب سرور، كنا نجلس في غرفة السطوح أو مجلس إدارة السطوح الخاص بالشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم بحي المقطم، وكان بصحبتنا شقيقه «فريد»، انتهت هذه الجلسة بعبارة نطقها «شهدي» وعيونه مليئة بالدموع، «هي حاجة واحدة لازم أعملها.. وبعدها هفضل أبكي.. أبكي.. أبكي»، التزم الجميع بعدها الصمت، وتوالى انسحابنا واحدا تلو الآخر.
سر بكاء شهدي سرور في منزل أحمد فؤاد نجم
19 يونيو عام 2000، كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرا، عبرت السلم الخشبي، وتجاوزت فتحة السقف الصغيرة لأصل لسطوح العقار المقيم فيه الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، وبعد نحو 6 خطوات، كنت أقف على باب «مقر قيادة السطوح»، الغرفة التي يقضي فيها «أبوالنجوم» يومه بين أصدقائه ومحبيه.
كان «أبو النجوم» سمح لي بزيارته في أي وقت ودون إذن مسبق، لذا دخلت دون أن ألقي التحية بصوت مسموع، لأنني لم أرغب في مقاطعة حديثه لضيوفه، واكتفيت بالإشارة له بيدي، وتحركت ناحيته، ثم جلست على الأرض بجواره، كان الحضور 4 أشخاص، فتاة ملامحها تجمع ما بين الشرق والغرب، وشاب أردني، وشخصين آخرين، أحدهما ملامحه روسية، والثاني مصرية، كان يتبادل الحديث مع «أبو النجوم» عن زياراته الأولى له، بصحبة والدته «ساشا»، وتدخل في الحوار صاحب الملامح الروسية، ليحكي بلهجة مصرية «خوجاتي» تفاصيل هذه الزيارات.. بداية من خروجه بصحبة شقيقه «شهدي»، ووالدتهما من منزلهم في شارع الهرم، وصولا إلى منزل «نجمو» كما كانت تلقبه والدتهما.
الزوجة أصيبت بالزهايمر والابن الأكبر غادر وطنه هاربا.. والأصغر استنجد بالحكومة ليدفن والدته
ظللت أتابع الحوار لما يقارب الـ30 دقيقة، بعدها أدركت أنني أمام «شهدي وفريد» نجلي الشاعر والأديب الموهوب نجيب سرور، وبتلقائية نطقت جملتي الأولى.. «أنت شهدي سرور؟»، فنظر لي وكأنه انتبه للمرة الأولى لوجودي.. وقال بارتباك «آه»، وسرعان ما تدخل «أبو النجوم» ليقول له «متخفش.. ده صعيدي.. مش خـ...» فضحك الجميع وعادوا لاستئناف أحاديثهم.
امتدت الجلسة لما يقارب 4 ساعات، تحدث خلالها «شهدي» عن علاقاته بفنون الحياة كما يسميها، وكانت انفعالاته متناغمة مع كلماته، يتحدث عن الحب، فتشعر أنه رومانسي يحلق في الفضاء، ويتحدث عن الفلسفة والأديان، بجدية المؤمن المهموم بالبحث عن حكمة الأشياء، ويتحدث عن الأدب والشعر.. فتشعر أنه الابن الشقي لصاحب الموهبة المتفردة نجيب سرور، وحين يصمت تشعر أنك أمام هدوء كامن، يعقبه عاصفة، هذا ما انتظرت حدوثه حين توقف عن الكلام، وكان خلالها يقاوم دموع تكاد تفجر عينيه، لتخرج للعلن.. وقتها نطق الكلمات التي أنهت الحديث.. والجلسة أيضا.. «هي حاجة واحدة لازم أعملها.. بعدها هبكي.. أبكي.. أبكي».
شهدي سرور يهرب من مصر بسبب وصية والده
في فجر 22 نوفمبر 2001، تحركت قوة من مباحث آداب القاهرة لمنزل «شهدي»، لتنفيذ قرار القبض عليه، وأحيل مباشرة إلى نيابة السيدة زينب، وخضع لجلسة تحقيق، انتهت بإخلاء سبيله بضمان قدره 1000 جنيه، لكنه ظل محتجزاً لمدة ثلاثة أيام بقسم السيدة زينب، بحجة انهاء الاجراءات، وفي 3 مارس 2002، بدأت محكمة جنح السيدة زينب نظر القضية رقم 2001/14121، وأصدرت حكمها في 30 يونيو 2002 بحبس «شهدي» لمدة سنة مع الشغل، ودفع كفالة مالية قدرها 200 جنيه، بعد إدانته بحيازة وتوزيع قصيدة العامية المعروفة بـ«الأميات» التي كتبها والده الراحل بين عامي 1969- 1974.
رأت المحكمة في القصيدة -التي اتُهم شهدي بنشرها على الإنترنت- عبارات مخالفة للآداب العامة، فأصدرت حكمها، وشعر الابن الأكبر للشاعر والأديب الموهوب أن الحكم كان قاسيا، لكنه لم يتنكر للواقعة، ولم يدع عدم مسؤوليته عن النشر، رغم أنه لم يكشف السبب وراء ذلك، ولم يرغب في أن يعرف أحد أن ما فعله هو التزام بوصية والده.
تقدم «شهدي» باستئناف طمعا في إلغاء الحكم أو الحصول على عقوبة مخففة لا تقيد حريته، وتحدد لنظر الاستئناف جلسة 26 أغسطس بدائرة جنح مستأنف السيدة زينب بمحكمة جنوب القاهرة بباب الخلق، واختار وقتها أن يتابع الأمر من خارج الوطن، وحين علم بتأييد الحكم.. أدرك أنه لن يتمكن من العودة لمصر مرة أخرى، وظل لثماني سنوات يقيم في روسيا، البلد الذي ولد فيه، بعدها انفصل عن زوجته الروسية «أولجا»، وانتقل للإقامة في الهند، وظل فيها إلى أن فارق الحياة في 2019 متأثرا بإصابته بالسرطان.
وصية زوجة نجيب سرور
تسلم فريد سرور مسؤولية تنفيذ وصية شقيقه الأكبر «شهدي»، ولم يشغل باله بعاصفة الهجوم التي تنتظره، فالوصية بالنسبة لهذه العائلة.. أمر واجب النفاذ، كما أنه كان مهموما بمسؤولية أخرى تتعلق برعاية والدته المصابة بمجموعة أمراض منها الزهايمر، وكانت أوصته بأن تقضي أيامها الأخيرة في مصر، وأن تدفن بجوار زوجها، وهو ما جعله وقتها، يكتب على حسابه الشخصي بموقع التواصل «فيسبوك»، مناشدة الحكومة المصرية، يطلب السماح له بالعودة بصحبة والدته، وتحقق له ما أراد، لكن حين فارقت «ساشا» الحياة.. اعترف بأنه لم يكن يعرف ما يتوجب عليه فعله، ليحقق وصيتها، لكن تحقق لها ما أرادت، ودفنت بجوار زوجها في 17 يناير 2022.
سر اعتناق زوجة نجيب سرور للإسلام
كان نجيب سرور محاطا بهالة من الحب والتقدير داخل عائلته، والده كان يعتبره عميد العائلة وسفيرها في المجتمع، رغم أنه أصغر من شقيقه الوحيد «ثروت»، الذي تفرغ لرعاية أرض والده، ولم ينل حظا وافرا من التعليم مثل شقيقه، واللافت للنظر أن «ثروت» كان يتعامل مع شقيقه باعتباره الأب، لذا حين توفى «نجيب» سعى شقيقه الأكبر لتحمل مسؤولية رعاية أسرته، وسعى لتحقيق ذلك، لكنه واجه صعوبات كثيرة، إلى أن جاء اللقاء الحاسم، حين ذهب لمنزل شقيقه بشارع الهرم، وقابل زوجته.
لكن نتائج الزيارة كانت قاسية بالنسبة له، كان يريد أن يؤدي واجبه، وفقا للأصول التي تربى عليها، بينما كانت زوجة شقيقه تخشى من توابع الفارق بين المجتمع المنفتح الذي عاشته بصحبة شاعر يتحرك بين المثقفين بنجومية كبيرة، ومجتمع قرية إخطاب مركز أجا محافظة الدقهلية، مسقط رأس زوجها، ومقر إقامة شقيقه الأكبر، وأصبح هذا اللقاء بمثابة شرارة كبيرة، أشعلت خلافا ظل ممتدا، وعقب هذا اللقاء ذهبت «ساشا» إلى مشيخة الأزهر، لتشهر إسلامها في 20 يناير 1979، وأصبح من حقها شرعا وقانونا الاحتفاظ بحضانة طفليها، وحق الوصاية على ميراثهما.
السيرة الذاتية لـ نجيب سرور.. شهيد العشق
جاء نجيب سرور إلى الدنيا في 1 يونيو عام 1932، وفارقها في 24 أكتوبر عام 1978، وما بين التاريخين عاش حياة صاخبة، مليئة بفنون العشق، شهد وهو على مقاعد الدراسة انطلاق ثورة 23 يوليو 1952، وسافر إلى الاتحاد السوفيتي في بعثة حكومية لدراسة الإخراج المسرحي عام 1958، وهناك تعرف على طالبة الآداب «ساشا»، تزوجا وأنجبا طفليهما «شهدي وفريد».
تنقل «نجيب» ما بين عدة دول عربية وأوربية منها المغرب ولبنان والمجر، لكنه كان دائما محملا بالكثير من الابداع والعشق لمصر، عاش فيها وشارك في اثراء الحياة الثقافية باعتباره شاعرا وناقدا وباحثا وكاتبا مسرحيا، وكل ابداعاته تؤكد أنه موهبة متفردة، وعاشق من طراز فريد.. لهذا الوطن، كان يتغنى به في أشعاره، ويبحث له عن بطولات في نصوصه المسرحية، ويجعل من مستقبله هما يحاصر كلمات مقالاته وابحاثه.
عمل «نجيب» مدرسا في أكاديمية الفنون، وكتب مجموعة مسرحيات منها: (يس وبهية، وقولوا لعين الشمس، و آه يا ليل يا قمر، والكلمات المتقاطعة، والحكم قبل المداولة، والذباب الأزرق)، وفي الشعر كتب دواوين (لزوم ما يلزم، والأمّيات، والطوفان، وفارس آخر زمن)، وفي مجال النقد، له كتاب بعنوان «رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ».
اكتوى «نجيب» بنار العشق، وعانى من تبعات تجربة ارتباط بممثلة، وقت أن كان هناك من يقف ضد حصوله على موافقة بدخول زوجته الروسية لمصر، والسماح لها بالإقامة، وهو ما تحقق بعد ذلك، لكن بعد أن دفع ثمنا باهظا، وتوقع البعض أن يقوده هذا الأمر إلى الجنون، لكن موهبته قادته إلى أن يتحرر من الاحساس بالألم والعجز، ويترجم محنته إلى حكمة تزيد من بريق كلماته.
وتمكن من حبس من تجاوزوا في حقه داخل ديوانه، الذي نشره نجله «شهدي» ويحمل مسمى «أميات»، وحظى وقتها باهتمام يفوق ما نسميه حاليا «تريند».
«أميات» نجيب سرور حالة لا يمكن تجاهلها، مثلما لا يمكن تجاهل موهبة صانعها، وليس مطلوبا منا أن نبحث لها عن تصنيف أو توصيف، أو أن نحدد موقعها من الإعراب القانوني والأخلاقي، لأن اليقين الذي لا يقبل الشك.. أنها كلمات تحمل من المرارة ما يدل على العشق لهذا الوطن، وليس على العاشق حرج.