«أبوالدهب».. مقر الحضرات تحول إلى متحف يحكى مسيرة نجيب محفوظ

كتب: آية المليجى

«أبوالدهب».. مقر الحضرات تحول إلى متحف يحكى مسيرة نجيب محفوظ

«أبوالدهب».. مقر الحضرات تحول إلى متحف يحكى مسيرة نجيب محفوظ

حب «القاهرة الإسلامية» لا يقاوم.. هنا الجامع الأزهر قبلة العلم والعلماء، تقابله ساحة مسجد الإمام الحسين، وعلى اليمين تتجه الأنظار إلى مجمّع أثرى يتميز بضخامته هو «تكية محمد بك أبوالدهب»، تحفة معمارية تميّزها قبّة ومئذنة لجامع يحمل الاسم ذاته ويتميز بزخارف منمّقة، وتلحق به «تكية» عاش بين طوابقها أهل الذكر والتصوف، ومع تعاقب الأعوام لم يكونوا سكانها الوحيدين.

أسوار المجموعة الأثرية محاطة بالدكاكين الصغيرة ذات الأنشطة المتعددة، تسير كأنك فى حلقة دائرية حتى تصل للباب الخلفى فى شارع ضيق تتعالى فيه أصوات البائعين من «سوق التبليطة» الذى أفسد المظهر الجمالى للتكية.

بمجرد صعود الدرج الخشبى لتكية «أبوالدهب»، يقابلك مكتب التذاكر الصغير، فـ5 جنيهات وشهادة تطعيم لقاح ضد كورونا شرطان أساسيان لبوابة العبور، وبمجرد أن تطأ قدماك صحن «التكية» تغوص روحك فى أعماق مكان تشبّعت جدرانه بروح الصوفية، فهنا عاش أهل الذكر والمحبة، منعزلين عن ملذات الحياة قاصدين العشق الإلهى، تشعر كأنك عدت بالزمن مئات السنوات إلى الوراء حين ارتفعت الأصوات فى الحب الإلهى وأقيمت حلقات الذكر، لكن دقائق قليلة تعبر خلالها باب التكية للداخل كفيلة أن تعيدك للحاضر مجدداً، فهى الآن تُعرف بـ«متحف نجيب محفوظ».

فى عام 2019 كانت تكية «أبوالدهب» على موعد مع مرحلة تاريخية جديدة، حين وقع عليها الاختيار لتروى مسيرة «أديب نوبل» الذى وثَّق حياة الحارة الشعبية فى كتاباته، حين تعلَّق بحبها، ووصفها برمز القيم الروحية وتباهى فى وصفه ليراها رمزاً للدنيا والبشرية، تصلح أن تكون «مركزاً روحياً»، أمنية أفصح عنها فى لقاء تليفزيونى، حتى رحل «محفوظ» بجسده عام 2006 وبقيت روحه متشبثة بحب التكية، لتزين مقتنياته وأغراضه الشخصية غرفها وتصبح شاهدة على مسيرته العالمية.

من صحن الطابق الأرضى، حيث القليل من لوحات حملت صور نجيب محفوظ، تصعد الدرج الحجرى الذى يقودك للطابق الثانى، الجولة الحقيقية للغرف التى تحمل كل منها اسماً مستلهماً من روح «محفوظ».

يصطحبك أحد المشرفين عن المتحف فى الجولة، يذكّرك بمقولة داوم على ترديدها للزائرين «التصوير بالموبايل فقط»، ومن غرفة «الأوسمة والشهادات»، حيث البداية، ترى جوائز عالمية كرّمت مسيرة الأديب العالمى، وشهادات التقدير التى أثنت على رحلته الأدبية، فهنا «الروب» الذى ارتداه «محفوظ» وقت حصوله على الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة.

تنتقل إلى غرفة «أصداء السيرة» وتزداد قرباً من شخصية «محفوظ» الحالمة بأدب ينقل الحياة ببساطة، ويزداد عمقاً وفلسفة فى روايته الأكثر جدلاً «أولاد حارتنا»، تتجول بين الغرف، تمتع عينيك بصور وثَّقت مراحل عمره وتشاهد بدلته المميزة مع القبعة الشهيرة.

وفى «أحلام الرحيل» المشهد مختلف، فهى الأكثر قرباً من روح «نجيب محفوظ»، وزُينت الغرفة بمشاهد بعد محاولة الاغتيال التى تعرّض لها عام 1995، فهى تحوى كراسات مكتوبة بخط «محفوظ»، يصعب على الزائر قراءتها، لأنها كانت محاولاته للعودة للكتابة بعدما تأثرت أعصاب يده اليمنى، وهناك أغراضه الشخصية مثل النظارة الطبية وعدسة القراءة وأقلام حبر وشرائط كاسيت مسجل عليها سيرة الأديب العالمى.

وفى غرفة «تجليات» حيث مكتبة «محفوظ» بأكملها والكرسى الذى كان يجلس عليه، هنا تشعر كأن روح الأديب ما زالت حرة تحلق فى أرجاء المكان، وهنا غرفة «نوبل» التى ضمت شهادة حصوله على الجائزة فى مجال الأدب، وفى غرفة أخرى تشاهد فيلماً قصيراً يوثَّق مسيرة «أديب الحارة المصرية».

تنتهى الزيارة بالغرف، وتقع عيناك على كراسى خشبية صغيرة متراصة فى شكل مقهى، ومجموعة من صور «محفوظ» رفقة أصدقائه، ومنهم الفنان الراحل أحمد مظهر، وهنا يقاطعك المشرف ويقول: «أصحاب محفوظ كانوا دايماً قاعدين معاه على القهوة، فكان بيقول لهم أنتم مالكوش مكان تروحوا فيه أنتم حرافيش».

تحويل تكية «أبوالدهب» إلى متحف نجيب محفوظ ربما أخفى معالمها الصوفية، لكنه أعطاها رونقاً خاصاً تجلى فى زيادة أعداد زائريها، حسب ما رواه «حجازى» الرجل الستينى، الذى يجلس على بُعد أمتار من المجمع الأثرى مع صديق عمره «رجب» أمام بقالته الصغيرة.

«حجازى» الرجل الستينى الذى يحفظ حكايات المجمع الأثرى، كما قرأها من كتب التاريخ وسمعها من روايات تناقلها أهل المنطقة فى الصغر، يقول عن جامع «أبوالدهب» الأثرى: «المصريين عمرهم ما صلوا فى الجامع ده من ساعة ما اتعمل رغم فخامته وجماله، أما التكية فكانت تستضيف الفقراء وأبناء جامعة الأزهر، وهى معمولة للناس الغلابة عشان ياكلوا ويشربوا، بس عمرى ما دخلتها».

ويرى «حجازى» أن تحويل التكية إلى متحف خطوة جيدة روجت كثيراً للمجمع الأثرى، لكن وجود «سوق التبليطة» أمام المتحف أفسد المظهر الجمالى «زى ما تكون عملت تورتة جميلة ورشيت عليها ملح».

رواية «حجازى» لم يختلف عليها صديقه «رجب عبدالسلام»، فرغم نشأته بمنطقة الدرب الأحمر المجاورة لمكان التكية، فهو قليل المعرفة عن تاريخها، أو وصفها داخلياً، فهو لم يزُرها من قبل، وتابع: «عمرى ما دخلت هناك.. بس ناس كتير بييجوا يسألوا عليها، خاصة بعد ما بقت متحف».

تاريخ المجمّع الأثرى يمتد عبر مئات السنوات، وهو ملىء بالحكايات والأحداث التاريخية، عرضها محمود مرزوق، الباحث فى الآثار الإسلامية، الذى بدأ حديثه لـ«الوطن» بالقول إن تكية «أبوالدهب» من أهم نماذج التكايا فى العصر العثمانى الباقية حتى الآن، فهى ضمن مجموعة أثرية تحمل الاسم ذاته، وتضم مدرسة وجامعاً.

يعود المجمع الأثرى لـ«محمد بك أبوالدهب»، القائد العسكرى الذى تولى ولاية مصر بعد مقتل «على بك الكبير»، لكنه لم يستمر كثيراً فى الولاية، إذ توفى فى الشام وحُمل ودُفن فى المجمع الأثرى الذى شيّده فى عام 1775م.

وعُرف بـ«أبوالدهب» لأنه كان ينثر الذهب على الناس ولحرصه الشديد على الإنفاق والهبات، أما عن نشأة التكية، فكانت أمراً طبيعياً وقتها، وتُخصص لإقامة المنقطعين للعبادة والذكر.

وأضاف الباحث الأثرى أن أهمية تكية «أبوالدهب» تعود لمراحلها التاريخية، ففى بداية إنشائها كانت المكان المخصص للدراويش وإقامة الحضرات وحلقات الذكر، ثم تطورت لاستقبال طلاب جامعة الأزهر قبل إنشاء المدن الجامعية الخاصة بالأزهر الشريف.

وتابع «مرزوق» أن التكية أصبحت فى طىّ النسيان، حتى أعيد اكتشافها مرة أخرى من خلال الأعمال الفنية، مثل مسلسل «ونوس»، للفنان يحيى الفخرانى.

التكية

 ظهرت بداية العصر العثمانى.

 أصلها يرجع إلى تركيا.

 مكان إيواء الصوفيين لإقامة أمور المعيشة والعبادة وممارسة التصوف.

 طلب العلم فيها كان شيئاً هامشياً، فالأصل الإقامة والانقطاع للذكر والعبادة.

 تميزت بقاعة مخصصة للإنشاد الصوفى والموسيقى الصوفية.

الخانقاه

 ظهرت فى العصر الأيوبى، وازدهرت مع العصر المملوكى.

 أصولها ترجع إلى بلاد فارس.

 وصلت إلى مصر فى القرن السادس الهجرى.

 تأسست للعبادة وتلاوة القرآن والذكر، وتدريس المذاهب الفقهية ودروس علم القرآن ودروس الحديث الشريف.

  


مواضيع متعلقة