حسناوات أوكرانيا

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

شغلت نساء وفتيات أوكرانيا مواقع التواصل الاجتماعى والسوشيال ميديا فى الأيام الماضية، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وانقلبت الكومنتات والتغريدات إلى مادة سخرية وإفيهات حول مصير حسناوات أوكرانيا، حتى إنها أصبحت مادة للتندّر والكوميديا، لتُثبت أننا نعانى من العالم الذكورى الذى لا يزال يسيطر على المجتمعات البشرية بمختلف أطيافها! لقد ذكّرت الحرب الدائرة فى أوكرانيا بما كان معروفاً ومنسياً فى الحروب والمآسى، فغالباً ما تدفع النساء ثمناً باهظاً، ويجدن أنفسهن ضحايا على أكثر من مستوى. هذه المرة كانت حصة النساء الأوكرانيات كبيرة من التعليقات والنكات الذكورية التى وجدت طريقها إلى النقاش الدائر فى العالم العربى حول الحرب فى بلادهن. فقد امتلأت مواقع التواصل الاجتماعى بصور نساء ومقاتلات وجنديّات أوكرانيات، مصحوبة بدعوات إلى «فتح البيوت والقلوب» للنازحات، لكن الأمر لم يقتصر على ناشطين ومدوّنين، إذ امتد إلى بعض المواقع الإخبارية والصحف العربية، فى حين لم يتورّع بعض المشاهير فى تبنّى هذه النكات وإعادة توزيعها!

لم تلتفت وسائل التواصل الاجتماعى إلى المأساة والمعاناة الإنسانية التى وجد الأوكرانيات أنفسهن فيها بين ليلة وضحاها، غارقات فى وحلها من التهجير القسرى مروراً بالتطوع فى الجيش، انتهاءً إلى وجودهن سبايا وأسرى حرب، أو سلعاً رائجة فى تجارة البشر والجنس، وبالذات الريفيات الفقراء اللاتى أرغمن على سلك الطريق السهل. مواقع السوشيال ميديا باتت سلاحاً قذراً سيئ السمعة، يسلط على الرقاب بنصله الحاد القاتل، ويستخدم أسوأ ما فيه، هى بؤرة فاسدة لترويج الشائعات والأكاذيب أيّاً كانت، اجتماعية، سياسية، اقتصادية، وتراجع الهدف الأساسى والنبيل منها وهى أن تكون مادة تواصل إنسانى وتكافلى وثقافى بين الشعوب والمجتمعات المختلفة، لكن يبدو أن تسليع المرأة إجمالاً، والمرأة الأوكرانية خصوصاً، ليس جديداً، إذ تكفى كتابة «أوكرانيات» على محرّكات البحث باللغة العربية، لتأتيك اقتراحات من نوع «أوكرانيات للزواج فى مصر»، «أوكرانيات مُسلمات»، «أوكرانيات روسيات للزواج»، «أوكرانيات فى تظاهرات لبنان».. واللائحة طويلة مليئة بالمعانى، فليس مهماً تناول ظاهرة هؤلاء البائسات اللاتى يتكبّدن معاناة القهر والتهجير والاغتصاب وفقد الوطن، لكن المهم التغنّى بجمالهن وسهولة الحصول عليهن، وكأنهن سلعة رخيصة متداولة ومتاحة للجميع عند الطلب، وهذا يذكّرنا بما حدث إبان الأزمة السورية واللبنانية والعراقية، ورواج الطلب على الزواج منهن لسهولة وتواضع مطالبهن، نظراً للظروف القاسية التى تعرّضن لها، وعلى رأسها فقدان الوطن والهوية، وإحلال كلمة «لاجئ» على دفتر العائلة بدلاً من «مواطن»، التى يترتب عليها الكثير سياسياً واجتماعياً، من تدمير للمستقبل والأحلام لكل من أصيب بهذا الوجع الذى لا يضاهيه وجع، فقدان الوطن حتى لو كان خيمة فى صحراء هو سحق للكرامة، وإذلال للنفس، وامتهان للعرض، لقد طالت تعليقات مماثلة اللبنانيات بعد تفجير مرفأ بيروت، والسوريات منذ بداية الحرب فى بلادهن. ونرى فى هذه التعليقات «امتداداً لفكر واحد لم يُستأصل بعد. فالأذهان الذكورية تنتظر مناسبة لتُظهر الصورة النمطية المسيئة إلى المرأة تحت غطاء الترفيه وخفة الدم»، فليس مهمّاً الظرف ولا الزمان ولا المكان الذى وضعهن فى هذه المحنة، وبدلاً من شد أزرهن والتعاطف مع مصيبتهن، يترك العنان لإطلاق النكات والاستظراف والسخرية من مصائبهن! وإن كانت الصورة النمطية المحفورة فى الأذهان مختلفة، بالمقارنة بين اللبنانيات والسوريات وبين الأوكرانيات، لكن التسليع والتنميط والإساءة الذكورية هى نفسها.

«حسناوات أوكرانيا» ضربن مثلاً عظيماً فى التضحية والإيثار وحب الوطن، انضمامهن للجيش كان إشارة البدء للتضحية بالأرواح فداءً للوطن، ودفاعاً عنه. لم يخترن طريق الهروب واللجوء والهجرة إلى بلاد لا ينتمين إليها، خاصة إذا وقعن ضحية للاتجار بالبشر، بهدف الاستغلال الجنسى، فالنظرة السائدة فى أذهان كثيرين إلى النساء الأوكرانيات -ونساء أوروبا الشرقية بشكل أوسع- مرتبطة غالباً بالخدمات الجنسية.