الهجوم و«القتل الأبيض»

مسرحية «ليلة القتل الأبيض» لفريدريش دورينمات واحدة من المسرحيات البديعة الكاشفة لزاوية معتمة من زوايا النفس البشرية.. ويقرر الكاتب من خلالها أن القتل نوعان: القتل التقليدى الذى يعتمد على إراقة دماء الغير وإزهاق حياته بأدوات مادية، والقتل الأبيض الذى يسعى شخص من خلاله إلى تهيئة الظروف التى تؤدى إلى وفاة شخص آخر، فيتخلص منه بطريقة نظيفة دون أن يريق قطرة واحدة من دمه.

عالج الراحل يسرى الجندى أحداث هذه المسرحية من خلال سهرة تليفزيونية بديعة، عرضها التليفزيون المصرى أواخر التسعينات، تحكى قصة رجل أعمال تعطلت سيارته فى منطقة مقطوعة، واضطر للمبيت فى فيلا معزولة يملكها أحد القضاة. وكان فى ضيافته محام ووكيل نيابة سابق. وسعياً وراء التسلية اتفقت المجموعة على تمثيل محاكمة يلعب فيها رجل الأعمال دور المتهم، ويقوم كل من القاضى والمحامى وممثل النيابة بأدوارهم التقليدية التى يقومون بها فى الحياة. يبدأ رجل الأعمال فى سرد قصة حياته، ويفتش ممثل الادعاء عن الثغرات فيها، ويتهمه بقتل صاحب العمل الذى بدأ رحلته معه ووراثة ماله عبر الزواج من أرملته، يجتهد المحامى فى الدفاع، والقاضى فى فضّ الاشتباكات، وتدمغ المحكمة رجل الأعمال بتهمة قتل صاحب العمل قتلاً أبيض حين علم من زوجته بمرضه، فبدأ يهيئ الظروف التى أدت إلى سقوطه صريعاً فى النهاية.

كل شىء فى هذه الحياة له طريقان: الطريق الأبيض والطريق الأسود، والمسألة لا تنطبق على صراع الأفراد مع بعضهم البعض فقط، بل تنسحب أيضاً على الصراعات ما بين الدول.

فى العصر الحالى لم يعد السكب المتبادل للنيران بين الدول المتعاركة الصورة الوحيدة للحرب، بل هناك صورة أخرى بيضاء لا تقل فى نتائجها عن الحرب التقليدية التى تعتمد على الأسلحة المتعارف عليها، وهى الحرب السيبرانية.

الحرب السيبرانية تقدم لنا صورة جديدة من صور «القتل الأبيض»، وتقوم ببساطة على فكرة الهجوم على مواقع المؤسسات الحساسة أو صانعة القرار داخل دولة معينة على شبكة الإنترنت، وإعطابها وتعطيلها، أو جمع معلومات من خلالها.

سبق أن تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لهجوم سيبرانى شهير من جانب روسيا أواخر عهد الرئيس دونالد ترامب، أثار زوبعة كبيرة على مستوى العالم، وقدّم لنا صورة واضحة لهذا الشكل الجديد من أشكال تبادل الهجوم، والكيفية التى تقوم بها الدول بصد الهجوم السيبرانى.

لجوء العالم إلى سياسات الرقمنة والأتمتة وتحويل الأعمال اليدوية إلى خرائط تدفق تدار عبر برامج كمبيوترية قدّم العديد من الفرص للتنمية والتطوير، لكنه انطوى أيضاً على مخاطر وتهديدات تزداد يوماً بعد يوم، من أبرزها أنه فتح باباً جديداً للاختراق والتأثير السلبى على أنماط الأداء داخل مؤسسات أى دولة.

موقف الدول من «الهجوم الأبيض» يختلف عن موقف المجتمعات من مسألة «القتل الأبيض»، فالدول باتت تنظر إلى الهجوم السيبرانى كشكل من أشكال الحرب التى يتوجب التصدى لها، فى حين أن العديد من المجتمعات لا تأبه كثيراً لعمليات القتل الأبيض التى تقع بين أفرادها.