مهرجان القاهرة.. فيلم الافتتاح يعوض عشوائية الحفل

علا الشافعى

علا الشافعى

كاتب صحفي

43 عامًا هي عمر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ذلك المهرجان صاحب التاريخ الممتد، والذي يمتلك كل منا ذكرياته حوله تشكلت من أفلام شاهدناها، وندوات نقاشية مهمة حضرناها، وشخصيات سينمائية مؤثرة تفاعلنا معها على مدار دوراته الماضية.

ولكن دائمًا ومع انطلاق المهرجان نجد أنفسنا نطرح نفس التساؤلات حول حفل افتتاح المهرجان الذي أصبح يأتي دون المستوى المتوقع عام بعد عام، فهل يصعب علينا تقديم حفل افتتاح بسيط يخلو من الافتعال، وعلى علاقة مباشرة بما تتضمنه الدورة من فعاليات وأنشطة وشخصيات مهمة تستحق أن تقف على المسرح في حفل الافتتاح أو على الأقل تأخذ حقها من الحفاوة والتقديم بعيدًا عن ما نراه على المسرح من ارتجال وافتعال، أو اختيارات سيئة تنعكس على الصورة النهائية لشكل الحفل الذي من المفترض أنه واجهة المهرجان؟

في حقيقة الأمر، تساءلت كثيرًا حول الشكل الذي خرج به حفل افتتاح الدورة الـ43 للمهرجان، ولم أجد إجابات شافية، بدءًا من الإسكتش غير المفهوم الذي قدمه الفنان خالد الصاوي مع الكوميديان علي ربيع، حيث ظهر خالد الصاوي بعيدًا عن لياقته الفنية بعد الوعكة الصحية التي أصابته مؤخرًا، كما أن الحالة نفسها والأداء سبق وأن قدمه الصاوي في دورة سابقة، كما أن علي ربيع لا يملك في حقيقة الأمر حضورًا كافيًا يؤهله للوقوف على خشبة المسرح الكبير في دار الأوبرا المصرية، وتقديم حفل مهرجان القاهرة الذي يعد واجهة الدولة المصرية، وما ذنب ضيوف المهرجان الأجانب في التعاطي مع مثل هذه الفقرة، تخيل مثلًا مخرجًا بحجم إمير كوستوريتسا -رئيس لجنة التحكيم في الدورة الـ43- أن يجلس ليشاهد علي ربيع وهو يسخر من عدم دعوته لمهرجان القاهرة السينمائي، ووصايا خالد الصاوي له بأن يتنازل عن «الفلوس» قليلًا ليصنع فيلم «مهرجانات» ويعطيه وصفة لصناعة فيلم مهرجانات ليفتح له الباب لحضور المهرجان، ويسترسلا سويًا ليصل الأمر إلى حالة من الملل والسخافة، حيث لا يليق بمهرجان دولي أن يقدم مثل هذا الإسكتش الذي يمكن أن يناسب مهرجانًا محليًا.

تتواصل الفقرات التي ليس لها علاقة ببعضها البعض على المسرح، ليظهر ملحن وموسيقار بحجم هاني شنودة للأسف لم يتمّ استغلاله بالشكل الذي يليق بفنه وبمنجزه الإبداعي، إذ فجأة نجد عمالًا يدخلون البيانو ويجلس شنودة ليعزف وتغني الفنانة هند عبدالحليم أغنية لا نفهم سر تقديمها على المسرح وفي هذا السياق حتى لو كانت تحمل احتفاءً بكلمة «سينما» إلا أنَّها في حقيقة الأمر بدت كأغنية في حفل آخر وليس افتتاح مهرجان سينمائي عريق، كما أن اختيار «هند» كان غريبًا وغير موفق بالمرة، وليت الأمر توقف عند ذلك بل تواصل سوء الاختيار وعدم التوفيق في اختيار مذيعة الحفل منى عبدالوهاب التي ظهرت وكأنها تتمايل على خشبة المسرح من فرط سعادتها لاختيارها لتقديم الحفل، وكأنها تقدم فقرة منوعات في برنامج خفيف.

كان من الممكن أن يكون الحفل أكثر رقيًا وبساطة، إضافة إلى ضرورة اختيار شخصيات لامعة وقليلة الظهور للوقوف على خشبة المسرح وتقديم فقراته، لذلك كان الحضور المؤثر لنجم مخضرم بحجم الفنان متعدد المواهب سمير صبري وظهوره لتقديم النجمة نيللي وتسليمها جائزة تكريمها هو ما حفظ ماء وجه المهرجان، وجاء فيلم الافتتاح الذي عرض في اليوم الثاني ليعوض كثيرًا ما حدث في ليلة الافتتاح، الذي بدا «سمك، لبن، تمر هندي» وهو فيلم «المسابقة الرسمية» بطولة بينلوب كروز وأنتونيو بانديرس، ومن إخراج جاستون دوبرات، وماريانو كوهين، وتدور أحداثه من خلال سيناريو غير تقليدي، ذكي ومكثف ينتمي لنوعية أفلام «ميتا فيلم» أي أنه فيلم داخل فيلم وقد يعتقد البعض أن الفيلم يدور حول مهنة التمثيل وبعضا من خباياه، إلا أنَّه يحمل معاني إنسانية شديدة العمق حول النفس البشرية، والتناقضات الكثيرة التي من الممكن أن تكون بداخلنا ونتجاهلها في كثير من الأحيان، وكثير من المفاهيم الحاكمة والمسيطرة لها المتعلقة بالشهرة والثروة والمجد في إطار شديد السخرية يصل إلى العبث في بعض المشاهد.

فهناك رجل أعمال ثري يبلغ الـ80 من عمره، وهي اللحظة التي يسأل نفسه ومدير أعماله «كيف يراني الناس؟» لذلك يفكر في إنشاء جسر يتبرع به للدولة ويطلق عليه اسمه إلا أنَّه يتراجع ويقرر شراء رواية تحمل عنوان «التنافس» حاصلة على نوبل ويقرر إنتاجها للسينما، ويختار له مدير مكتبه المخرجة الأشهر والحاصلة على جوائز «لولا» تجسدها بينلوب كروز، ويطلب منها أن تحكي له الرواية فهو لم يقرأها، حيث تدور أحداثها حول علاقة مرتبكة بين شقيقين يتسبب أحداهما في مقتل والديهما.

وتختار «لولا» اثنين من النجوم الكبار في إسبانيا والمختلفان تمامًا، أحدهما نجم صاحب شعبية كبيرة على مستوى العالم وليس إسبانيا فقط، يمتلك الشهرة النجومية، الفلوس، الجوائز  هو فيليكس «أنتونيو بانديرس»، جسد واحد من أفضل أدواره انفعالات محكومة، وتلون في الأداء وطبقات الصوت وحركات الجسد في الانتقال بين شخصيته كنجم والشخصية التي من المفترض أن يؤديها في الفيلم والثاني هو مايسترو التمثيل الذي يرفض زيف المهنة وهو أستاذ تمثيل وأكاديمي مخلص للمهنة وهو إيفان يجسده «أوسكار مارتنيه» من خلال كواليس التصوير وبروفات المخرجة الموهوبة مع النجمين الكبيرين تتكشف الكثير من الحقائق حول علاقة كل منهما بالآخر وبنفسه وبالعالم من حوله.

فيلم «المسابقة الرسمية» ممتع وجذاب ويحوي عناصر فنية مميزة  الديكورات المفتوحة والمساحات الواسعة والديكور الأقرب إلى التجريد، وزاويا التصوير وكأن المخرج وكاتب السيناريو يقصدان أن تقف في لحظات وتجرد نفسك مثلما حدث مع البطلان، وفي مواقف كثيرة تضحك ولحظات أخرى تدمع عيناك أو تصمت ساكنًا لتتأمل تركيبة الشخصيات وسلوكها، هو فيلم بسيط وعميق لا يخلو من الكوميديا وكما قالت نجمة العمل في المشهد الأخير، إنَّ بعض الأفلام تنتهي أحداثها وتأثيرها مع كلمة النهاية، ولكن هناك أفلام تتواصل وتكشف الكثير وهذا واحد منها.