علا الشافعي تكتب «في أثر الأحبة».. سمير فريد اسم على مسمى

علا الشافعي تكتب «في أثر الأحبة».. سمير فريد اسم على مسمى
- سمير فريد
- علا الشافعي
- كمال رمزي
- وحيد حامد
- على أبو شادي
- القاهرة السينمائي
- مهرجان دمشق السينمائي
- في أثر الأحبة
- سمير فريد
- علا الشافعي
- كمال رمزي
- وحيد حامد
- على أبو شادي
- القاهرة السينمائي
- مهرجان دمشق السينمائي
- في أثر الأحبة
منذ فترة طويلة، أفكر في كتابة هذا العنوان، وتحديدًا بعيد رحيل والدي ومن بعده أستاذي ومعلمي الكاتب الكبير وحيد حامد؛ لأروى عن الأحباب سواء كانوا أساتذة، أو معلمين، أو نجوم صادفتهم في رحلة عمل تمتد لثلاثين عامًا ودائمًا ما كنت أكتب العنوان وأطرح الكثير من التساؤلات على نفسي أبدًا بمن هؤلاء الذين رحلوا وفارقونا دون أن أستطيع أن أعبر لهم عن مدى حبي وامتناني أم عن الذين لا يزالون يعيشون بيننا؟.. وأتمنى أن يعرفوا مدى حبي وامتناني لهم.
سطور أصيغها وأعود لأمحوها في كل مرة أشعر أنها سطور ضئيلة جدًا ولا تليق بهؤلاء الذين شكلوا جزءا كبيرا من وجداني، وحياتي، وذكرياتي إلى أن وجدت ضالتي في الكتاب البديع للشاعرة والكاتبة إيمان مرسال «في آثر عنايات الزيات»، ووقعت في غرام الكتاب وبطلته وتساءلت.. جعلتني إيمان أحب عنايات وسيرتها دون أن ألتقيها فماذا عن هؤلاء الذين قابلتهم وعشت معهم، وتعيش بعضًا من سيرتهم معي، صحيح كثيرًا ما أتساءل بيني وبين نفسي هل ستليق بهم، هل سترد لهم ولو جزء ضئيل من الجميل؟، وأخيرًا انتصرت للكتابة لعل ذلك يجعلني أتواصل مع الأحباب أو مع أرواحهم على الأقل لذلك سأروي عنهم.
أعتبر نفسي من الجيل المحظوظ عاصرت عددا كبيرا من النجوم، المهمين والمؤثرين في الحركة الفنية بشكلٍ عام، إضافة إلى مُخرجين وكتاب ونقاد السينما المؤثرين وقت أن كانت هناك سينما حقيقية وأفكار خلاقة ونجوم لا يعرفون سوى العمل الدؤوب وبالتوازي حركة نقدية رائدة.
«ألفا الجيل»
سمير فريد (1 ديسمبر 1943 - 4 أبريل 2017)، كان واحدًا من أهم رموز الحركة النقدية في الوطن العربي، البرنس أو نجم المهنة كما كان يطلق عليه البعض دائمًا ما كنت أصادفه مع الناقد الراحل على أبو شادي والناقد المخضرم كمال رمزي، كان هذا هو المثلث النقدي المصري الذي نشأت في داخله، طبعًا كانت هناك الكثير من النقاد ولكن هؤلاء الثلاثة كانوا الأقرب.
بداية من الأستاذ على أبو شادي، كان يرتبط بعلاقات وطيدة مع معظم الصحفيين بحكم مهامه الوظيفية المتعددة والمختلفة، أما الأستاذ كمال رمزي كان ولا يزال لديه ملكة احتواء كل الأجيال وتقديم النصح بطريقة سهلة ومبسطة، وبالنسبة لي كانت التعامل أكثر مع رمزي وأبوشادي سواء كمصادر في تحقيقات صحفية أو برامج تليفزيونية أقوم بإعدادها، أو ندوات نادي سينما الأهرام، الذي كنت مسئولة عن برنامجه.
ولكن الناقد الكبير سمير فريد كان قليل الكلام للصحافة، وقليل الظهور في البرامج، بل أنه كان يخاصم الدراما التليفزيونية ولديه موقف واضح منها حيث كانت رؤيته تتلخص في أن الدراما تحمل تدميرًا لصناعة السينما الحقيقية لذلك كان يترك مصر ويسافر في شهر رمضان.
وكلما صادفت فريد كنت أشعر أمامه بالهيبة والخوف من التبسط معه في أي حوار، وكثيرًا ما كانت أشاكس الناقدان كمال رمزي وعلى أبو شادي، مرددة: «أستاذ سمير تِنك أوي بخاف أكلمه»، كان أبو شادي يقول ضاحكًا «لا هو شكله كده ما تخافيش بس طيب جدًا»، في حين أن رمزي كان يرد عليّا بحكايات ضاحكة ومتنوعة عن لقاءات الناقد سامي السلاموني وسمير فريد، والمرة التي اضطر الاثنان أن يتشاركا نفس الغرفة في أحد المهرجانات العالمية، حكاوي كانت تجعلني أستغرق في الضحك كثيرًا خصوصًا وأن رمزي يحكيها بطريقة ساخرة فهو يعرف الشخصيتان تمامًا ويملك مفاتيحهما فهما رفقاء الدرب وكانت شخصيتي متناقضاتان فريد منظم جدًا في كل التفاصيل والسلاموني فوضوي للغاية.
وبسبب تلك الحكايات استجمعت شجاعتي في إحدى المرات، وطلبت رقم «فريد» لأتأكد من معلومة في تاريخ السينما، وأحاول أن أورطه كمصدر معي في تحقيق كنت أجريه وقتها.
جاءني صوته وتلجلجت في البداية واستجمعت شجاعتي وذكرته بنفسي وفوجئت بالرد، «مش محتاجة تعرفيني بنفسك يا علا متابعك ومتابع شغلك كويس».. بعد هذه الجملة وضعت يدي على سماعة الهاتف وكاد قلبي أن يتوقف من الفرح: «أستاذ سمير بيقولي عارفك وعارف شغلك.. دي حاجة كبيرة جدًا»، تمالكت نفسي وبدأت أسأله وهو يرد بتلقائية واستفاضة يشرح لي وينصحني بأن أرجع لمصادر بعينها، وفي نهاية المكالمة قال لي: «لو احتاجتِ أي حاجة يا علا كلميني».
كانت تلك المكالمة في منتصف التسعينيات، ومن وقتها صار الناقد الكبير سمير فريد واحدًا من المُعلمين الكبار أتابع كتاباته بشغف، ألقاه في أي مهرجان أو أي تجمع سينمائي فلم أكن أفعل شيئًا سوى الإنصات، كيف لي أن أنسى اللقاء السنوي على هامش مهرجان القاهرة السينمائي وكان يضم الناقد والكاتب السوري قصي صالح درويش والأساتذة كبار نقاد مصر، أو لقاءات باريس على هامش بينالي السينما العربية، وكانت تنظمه الدكتورة ماجدة واصف جلسات في السياسة والفن، والهم الإنساني وعادة كانت تبدأ بثلاث أو أربع أسماء لتتسع الجلسة سمير فريد، وعلى أبو شادي، وكمال رمزي، وقصي درويش، واللبنانيان الراحل غسان عبد الخالق، والمخضرم إبراهيم العريس، ونعمة الله حسين، وأحمد صالح، وغيرهم كثيرون، وأيضًا جلسات مهرجان دمشق السينمائي.
في الحقيقة كل منهم يملك شخصيته وطريقته، ولكن سمير فريد كان له طلة خاصة ومميزة، بمجرد دخوله كان قادرًا على جذب الأنظار تجاهه فهو صاحب حضور إضافة إلى نبرة صوته الهادئة والتي تتحول إلى نبرة ساخرة في حالة أن النقاش لا يعجبه، الكثيرون اعتبروا أن سمير فريد هو «ألفا الجيل» فهو كان مهمومًا بصناعة السينما المصرية والعربية، مدركًا لأهمية التأريخ لها وأرشفة كل ما يتعلق بهذه الصناعة العريقة قدم ما يقرب من (50 مؤلفًا)، خاض الكثير من المعارك لأجل ذلك وكان متابعًا لكل شباب الحركة السينمائية في الدول العربية، لم يتأخر عن تقديم النصح لأحد.. لآخر لحظة في عمره لم يفارقه شغفه بالسينما.
جمعتني بالراحل، الكثير من المشاهد التي يصعب أن تنسى من ذاكراتي، وهي كثيرة بالطبع، ولكن كيف لى أن أنسى اليوم الذي هاتفني فيه ووقتها كنت أعمل في مكتب جريدة الحياة اللندنية في القاهرة -أغلقت للأسف- وبعد أن قرأ مقال كتبته عن المصور الفنان والمبدع الراحل هاني جويلي، وقتها بكيت من ثناءه على ما كتبت، هو يضحك وأنا أبكى، غير مصدقة أن ناقد بحجمه رفع عليّا سماعة الهاتف ليشيد بمقال كتبته، ليس ذلك فقط بل طلب مني أن أدير ندوة عن هانى جويلى نظمها في إطار ضمن البرنامج الثقافي الذي كان مشرفًا عليه بمكتبة الإسكندرية.
وهناك مشهدًا آخر، ووقتها كنا في مهرجان دمشق السينمائي، وكنت أرغب في شراء بدلة لوالدي ولا أتذكر مقاسه، وكانت الاتصالات صعبة في هذا الوقت ليست بسهولة هذه الأيام، وبسذاجة شديدة سألت الأستاذ على أبوشادي الذي كان يعرف والدي جيدا «تفتكر بابا مقاسه كام؟»، ضحك عليّا وقالي هحلهالك «باباكى نفس مقاس سمير.. خدي سمير وخليه يقيس لك البدلة اللي هتختاريها»، بعد هذه الجملة صمت تمامًا، ودخل أبو شادي في نوبة ضحك ونظرت إليه متسائلة: «هو أنتِ فعلًا عايزني أروح أقول كده لأستاذ سمير؟».
وفوجئت بأستاذ سمير قادمًا نحونا وبادره أبو شادي: «سمير.. علا عايزة تجرب عليك بدلة لباباها»، توقعت أن ينفجر سمير غاضبًا ولكنه ببساطة شديدة وتلقائية رد عليّا «استني هطلع الكتب دي ونروح مع بعض»، ولا تزال هذه البدلة في دولاب أبي تذكرني بالواقعة رغم رحيلهما».
أما تجربة العمل معه في مهرجان القاهرة السينمائي عندما ترأس المهرجان في عام 2014، وقدّم واحدة من أنجح الدورات في تاريخ المهرجان، فكانت واحدة من أمتع التجارب، وفعلًا كان سمير فريد اسم على مسمى، حيث كان فريدًا في إدارته وأكثر مدير ديمقراطي ويقدر كل من يعملون معه حق تقدير».
سمير فريد، رحل تاركًا الكثير من الكنوز، والذكريات، والتلاميذ وفراغًا كبيرًا لم يملأه أحد، والحقيقة أن الكتابة عنه تحتاج إلى الكثير من المقالات والدراسات.. لروحك السلام أستاذي العزيز».