الإنذار الأحمر للبشرية
ارتفاع درجات الحرارة غير المسبوق فى أنحاء العالم هذا العام هو تحذير قوى للبشرية، فغضب الطبيعة بدا أكثر مما هو متوقع، انطلق فى مشارق الأرض ومغاربها دون استئذان، فقد نفد صبر الطبيعة بعد آلاف التحذيرات التى أطلقتها على مدار الخمسة العقود الماضية من عبث البشر وتجرُّئهم عليها، واستهانتهم بها، وتمردهم على قوانينها، فما كان منها إلا أن أعلنت العصيان والانقلاب على استقرارهم وقوانين حياتهم.
لقد أكد تقرير أممى غير مسبوق أصدره علماء فى الأمم المتحدة أن تأثير البشر الضار على التغير المناخى حقيقة لا تقبل الجدل، فالانبعاثات المستمرة للغازات الدفيئة قد تشهد تغيراً فى معدلات درجات الحرارة الرئيسية خلال ما يزيد قليلاً على عقد، وأن ارتفاع مستوى البحر إلى ما يقرب من المترين بحلول نهاية القرن الحالى، لا يمكن استبعاده، وهو بمثابة إنذار أحمر للبشرية بأن هناك كارثة مناخية حتمية تطرق الأبواب، إذا لم يستدرك العالم أخطاءه وخصوصاً الدول الصناعية الكبرى ذات التأثير المباشر على تغيرات المناخ، وبدأت فى تصحيح مسارها، فلا يوجد وقت للتأخير، ولا مجال للأعذار. لقد قطع تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الطريق على الجدل وبنبرة قوية: «من الواضح أن التأثير البشرى أدى إلى تدفئة (زيادة درجات حرارة) الغلاف الجوى والمحيطات والأرض». إنه إعلان للحقيقة، لا يمكن أن نكون متأكدين أكثر من ذلك، إنه أمر لا لبس فيه ولا جدال، البشر يرفعون درجة حرارة كوكب الأرض، وحان وقت التوقف عن معاداة الطبيعة والعمل على استئناسها بدلاً من استعدائها.
لقد سجلت حرارة سطح الأرض وفقاً للتقرير منذ عام 1970 ارتفاعاً بشكل أسرع، مقارنة بالـ50 عاماً الأخرى على مدار ألفى عام؟!. هذا الاحترار أثَّر بالفعل على العديد من أحوال الطقس والمناخ فى كل منطقة فى شتى أنحاء العالم، وسواء كانت موجات الحر مثل تلك التى شهدتها مؤخراً اليونان وغرب أمريكا الشمالية مثل كندا، أو الحرائق العنيفة التى تشهدها تركيا وولايات أمريكية واليونان وأستراليا ولبنان والجزائر ودول عديدة أخرى، أو فيضانات مثل تلك التى شهدتها ألمانيا والصين وبعض دول أوروبا، فهى «تُعزى إلى التأثير البشرى» خلال العقد الماضى، إذ إن السنوات الخمس الماضية هى الأكثر حرارة على الإطلاق منذ عام 1850. فهل سيكون عام 2021 حاسماً فى معالجة مشكلة الاحتباس الحرارى؟ سؤال يشغل بال العالم، لكن الإجابة عنه تتطلب المزيد من الجهود الحثيثة والجادة لاستدراك الكارثة المناخية المحيطة بكوكب الأرض، فلم يعد لدى دول العالم الكثير من الوقت لدرء آثار تغير المناخ.
مثلما هزَّ وباء فيروس كورونا العالم، وإحساسنا بالحصانة الزائفة انهار مع تفشى الجائحة، فقد ذكرنا الوباء أيضاً بأنه من الممكن أن ينقلب عالمنا بطرق لا يمكننا السيطرة عليها، بعد أن أحدث أكبر صدمة اقتصادية منذ الكساد الكبير. لكن القادم سيكون أسوأ إذا تلكأ العالم فى اتخاذ إجراءات أكثر حرصاً وصرامة على سلامة البيئة والطبيعة من تغير المناخ المتسارع، فهناك دول عدة معرضة للتغير المناخى تدرك مدى الخطورة التى ستواجهها، بل وحذرت من أنها على وشك الانقراض، إذا لم يتخذ أى إجراء لتجنب ذلك، خاصة بعد صدور تقرير تاريخى للأمم المتحدة يحذر من أن الاحتباس الحرارى يمكن أن يجعل أجزاء من العالم غير صالحة للسكن، فضلاً عن مواجهة ملايين البشر حول العالم فيضانات متزايدة بسبب تغير المناخ والتغير الديموغرافى بحلول عام 2030.