«الخشت».. والسير على الأشواك

أحمد الخطيب

أحمد الخطيب

كاتب صحفي

منذ اللحظة الأولى لتخرجه فى كلية الآداب اختار الدكتور محمد عثمان الخشت طريقه، وحدّد دوره وموقعه مع كتيبة التنويريين الذين تخرجوا فى جامعة القاهرة.

اختيار الطريق -حتى ولو كان مفروشاً بالأشواك- أساسه الوعى باللحظة الزمنية الخاصة التى يعيشها الوطن، وخلال رحلة دراسته بكلية الآداب، قسم الفلسفة، فى ثمانينات القرن الماضى، أمسك «الخشت» باللحظة الزمنية الخاصة التى تعيشها مصر.

كانت الجماعات الإرهابية قد فشلت للتو فى تنفيذ مخططها للسيطرة على الدولة المصرية بعد حادث المنصة الشهير (6 أكتوبر 1981)، نجحت الدولة فى مواجهتها الأمنية مع هذه الجماعات، وأفلحت فى تقليم أظافرها كتنظيمات تسعى إلى تخريب حياة المصريين وتشويه وعيهم التاريخى بوسطية الإسلام وتسامحه وعقلانيته ودفاعه عن الإنسان فى كل زمان ومكان.

أدرك «الخشت» أن ثمة فريضة غائبة فى مواجهة الجماعات الإرهابية، تتحدد فى المواجهة الفكرية، فقد أفلح المتطرفون على مدار سنين طويلة فى نشر العديد من الضلالات والأباطيل التى أساءت إلى الإسلام، وكذا إلى صورة المسلمين على مستوى العالم كله.

بحسّ الباحث المدقق استخلص «الخشت» أن الفكر المتطرف يعتمد على منهجية «الهوى» فى النظر للتراث، رغم أن القرآن الكريم حذّر من استسلام المرء لهواه «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا».

تعتمد منهجية الهوى ببساطة على أمرين: أولهما إهدار السياق وعزل الأفكار والأحداث عن زمان ومكان إنتاجها، وثانيهما الانتقائية من خلال اختيار ما يخدم الأهداف الخاصة للأفراد والجماعات وإسقاط المرويات الأخرى التى تهدم أفكارهم وتزلزل جهلهم.

كل الجماعات المتطرفة التى عرفها العالم الإسلامى لها «جماعة أم» كان لها جُرم تأسيس «منهجية الهوى»، وكل متطرف يسعى بالفساد فى الأرض له «جد أول» وضع البذرة الأولى لتغييب عقول الأفراد والشعوب بـ«حشيش الهوى».. إنها جماعة «الحشاشين».

لم تكن مصادفة أن يكون كتاب «حركة الحشاشين» من أوائل الكتب التى أنتجها «الخشت» فى سياق مواجهته الفكرية للجماعات الإرهابية. جماعة الحشاشين هى الجماعة الأم لجماعة الإخوان، ومن يراجع أفكار الجماعتين يلاحظ كمّ التشابه بينهما، والحسن الصباح، مؤسس الحشاشين، هو الجد الأكبر لحسن البنا وحسن الهضيبى والطابور الطويل العريض من الأسماء التى اجتهدت فى خداع الشعوب بالدين لتحقيق مصالح دنيوية، فأساءوا إلى دينهم وإلى أوطانهم، ومن ينظر إلى شخصية «الحشاش» يلاحظ حجم الشبه بينه وبين الوجوه التى ظهرت فى هذا الطابور.

عبر هذا الكتاب قدّم «الخشت» تحليلاً رصيناً لتاريخ وأفكار هذه الجماعة التى استفادت منها كل الجماعات الإرهابية التى أشقت الشعوب الإسلامية على مدار ما يقرب من قرن من الزمان، واستخلص المنهجية الشيطانية التى يعتمد عليها ورثة الدم، «منهجية الهوى».

فى مقابل المنهجية البغيضة طرح «الخشت» المنهجية العقلانية، وهى المنهجية التى تستحضر السياق الزمنى والمكانى عند النظر إلى الموروث، بالإضافة إلى الاعتماد على رؤية نقدية للتراث، تعتمد على العودة إلى الأداة التى ارتضاها الخالق كأساس للإيمان به، وهى أداة العقل، وذهب إلى أن تجديد الخطاب الدينى جوهره حرية العقل وفك الجمود الدينى المتعصب والمتصلب.

على أساس هذه المنهجية تأسست رؤية «الخشت» فى تفكيك أفكار الجماعات المتطرفة، وذهب إلى أن مفارقة الواقع تُعد أحد أسباب ظهور «التطرف»، وأن المتطرفين فى فهم الدين يميلون إلى تفسير النص فى ضوء ثقافة رجعية تكوّنت عقولهم فى رحمها، وأصبحوا سجناء لمذاهب مغلقة لا يستطيعون تجاوزها إلى أى حقيقة أو واقعة ما خارج عقلهم الجامد المتخشب خارج حركة التاريخ، مهما كانت تلك الحقيقة ظاهرة وعينية فى الواقع الخارجى.

وبحسّ المفكر المؤمن بقضيته أدرك «الخشت» أن معركته مع الفكر المتطرف يجب ألا تتوقف عند جهده كفرد، بل لا بد أن يتحول إلى جهد مؤسسى حقيقى، وقد تمكّن من ذلك على مدار السنوات الأربع الماضية التى ترأس فيها جامعة القاهرة، ونجح فى استعادة دورها التنويرى كقاطرة لشد المجتمع المصرى نحو العقلانية والعصرنة، ومواجهة الفكر المتطرف، كجزء من المواجهة التى تخوضها الدولة المصرية ضد خفافيش الظلام.