الاختيار لدى فصيل اليسار (1)
المؤكد أن الاختيار بين الانحياز والولاء للوطن أو الخيانة والتطرف، لم يكن محدوداً فقط فى صفوف القوات المسلحة وجهاز الشرطة، كما رأينا فى مسلسلى «الاختيار1» بين المنسى وعشماوى، و«الاختيار2» بين مبروك وعويس، كما أنه أيضاً ليس قاصراً على أفراد، لكنه أيضاً اختيار متاح للكيانات المنظمة أيضاً سواء كانت أحزاباً سياسية أو منظمات أهلية على تنوعها.
فى الحلقة الثامنة من مسلسل الاختيار (2)، ظهرت ابنة الشهيد ضابط الأمن الوطنى محمد مبروك وهى تقرأ إحدى الجرائد وتردد على مسامعه عبارة «يتميز اليسار المصرى بأنه فصيل وطنى»، وتلك العبارة فى محلها تماماً قياساً بتاريخ اليسار المصرى الممتد لنحو قرن مضى، تميز خلاله بالانحياز دائماً للوطن وقضاياه، وكان بين صفوفه مناضلون عظماء، عبَّروا عن ذلك التيار أصدق تعبير، ولم تخرج يوماً ممارساتهم السياسية عن إطار الوطنية المصرية التى كانت دائماً على رأس أولوياتهم، وجسدوا نموذجاً يدعو للاحترام مصرياً وعربياً ودولياً.
وكما كان «عشماوى» و«عويس» كخائنين -وغيرهماـ مجرد استثناء فى الجيش والشرطة، يوجد أيضاً ما يشبههما -كاستثناء أيضاًـ فى فصيل اليسار العريض متعدد المنابع الفكرية متنوع التوجهات.
المسار الوطنى لليسار المصرى يبدو واضحاً -على سبيل المثال- فى حزب التجمع وفى برنامجه وممارساته، وهو الحزب المعروف فى الأوساط السياسية بـ«بيت اليسار المصرى»، ويقابله استثناءً من يسمون أنفسهم بـ«الاشتراكيين الثوريين».
هؤلاء الاشتراكيون الثوريون أصدروا بياناً بعنوان «10 ملاحظات حول مذبحة رابعة والنهضة» تعقيباً على الحلقة الرابعة من مسلسل الاختيار (2) التى تناولت فض الاعتصام الإجرامى، البيان يكشف من عنوانه الذى يصف عملية فض الاعتصام بالمذبحة، اختيار هؤلاء الوقوف صفاً واحداً مع «عشماوى» و«عويس»، ويتمادون فى المتن عبر مغالطات مقصودة، مثل قولهم بأن يوم الفض «دشن عهد الظلام والخوف الذى تعيش فيه مصر حتى يومنا هذا»، وأن «المذبحة الكبرى أظهرت مدى همجية ودموية الطبقة الحاكمة المصرية بجيشها وأمنها وقضائها ورجال أعمالها وإعلامها»، وأن «ما سمى بالتفويض لتلك المذابح لم يبدأ بمظاهرات 26 يوليو، ولكن بدأ بمظاهرات 30 يونيو 2013».. ولاحظ أنهم لا يرون فى خروج أكثر من 30 مليون مصرى ضد حكم الإخوان ثورة بل مجرد مظاهرات!، وفى فقرة تالية يصفون الثورة بالانقلاب تماهياً مع رؤية الجماعة الإرهابية!. يرى إخوان «عشماوى وعويس» أن مسئولية المذبحة (فض الاعتصام) لا تقع فقط على الجيش والشرطة ولكن أيضاً على كل من فوَّض وطبَّل وهلل للسيسى، وأن دم الشهداء (هكذا يصفون الإرهابيين) على أيدى المثقفين والكتاب والفنانين والإعلاميين الذين طالبوا بالفض وبرروا له، وكذلك على أيدى السياسيين والأحزاب الذين قبلوا أن يشاركوا فى حكومة الانقلاب.
.. وكما أن خروج أمثال عشماوى من بين صفوف الجيش، وعويس من وسط الشرطة، لا ينال على الإطلاق من الدور الوطنى للمؤسستين، فإن فصيل اليسار سيظل قائماً بدوره النضالى الوطنى -كما وصفته ابنة الشهيد محمد مبروك- وإن خرج من بين صفوفه بعض الخونة كاستثناء وارد.. وللحديث بقية.