الطريق إلى «الهند»

مأساة إنسانية مروعة تضرب دولة الهند هذه الأيام، جراء الانتشار المرعب لحالات الإصابة بكورونا، والتى تعد يومياً بمئات الألوف، وكذلك عدد الوفيات التى تعد يومياً بالآلاف (وفاة كل 4 دقائق).

الصور والتقارير الإعلامية التى تأتى من الهند تنقل مشاهد فى منتهى البؤس من مواقع إكرام جثث الموتى، ومشاهد أشد بؤساً من المستشفيات التى ضاقت بالأعداد المتوافدة عليها، ويصرخ المسئولون عن الرعاية الصحية فيها طالبين الأكسجين، بعد سقوط العديد من المرضى صرعى الموت بسبب عدم توافر أسطوانات الأكسجين.

مأساة متكاملة الأركان تعانى منها الهند.

واللافت أنها بدأت تأخذ بتلابيب البلد بعد انخفاض معدل الإصابة بالفيروس خلال شهر فبراير الماضى، وهو ما أغرى كلاً من الشعب والحكومة بالتحرر من الإجراءات الاحترازية والعودة إلى الحياة الطبيعية وفتح البلاد والسماح بإقامة التفاعلات الجماهيرية، وكانت النتيجة حالة الصعود التى شهدتها الهند فى أعداد المصابين خلال شهر أبريل والتى بلغت ذروتها خلال الأيام الأخيرة.

ضاعف من المأساة ظهور العديد من السلالات المتحورة من الفيروس داخل الهند -مثل السلالة البريطانية وسلالات أخرى غيرها- والأدهى من ذلك تحور الفيروس بشكل خاص فى الهند، لتظهر سلالة جديدة منه يحكمها متغير أطلق عليه: المتغير الهندى.

والجائحة هناك لا تستثنى فقيراً أو غنياً، كبيراً أو صغيراً، مسئولاً أو مواطناً. ومن اللافت أن بعض مَن تم تطعيمهم من المسئولين بلقاح كورونا بالهند أصيبوا بالمرض.

الشىء الذى يستحق النظر والتأمل أن تفشى المرض فى الهند كان يوصف بالبطء وذلك فى البدايات، وكان المسئولون عن الصحة هناك يتحدثون بفخر وفرح عن الأرقام المتواضعة للإصابات فى الدولة التى تأتى فى المرتبة الثانية على مستوى العالم من حيث عدد السكان.

الأرقام المعلنة كانت تقول إن الحال على ما يرام، لكن الواقع كان يقول غير ذلك. فالفيروس كان ينتشر وينتقل من جسد إلى جسد ومن مكان إلى مكان ويتعامل معه الناس -حكومة وشعباً- باستخفاف، لكن ما كان يعطل كشف الواقع على حقيقته عدم اهتمام وزارة الصحة هناك بالتوسع فى إجراء الفحوص لاكتشاف الفيروس.

وبعد تكاثر الطلب على المستشفيات خلال الأسابيع الأخيرة، وعجز بعضها عن استقبال حالات جديدة، بدأت الحكومة تتحرك لإجراء فحصوصات على عينات من المواطنين، فاكتشفت أن الوضع فى منتهى السوء، وأن الأرقام الحقيقية على الأرض تفوق المعلن بكثير.

الشعب الهندى انطلق بلا تحفظ ولم يراعِ الإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعى، ولك أن تتصور النتائج التى يمكن أن تترتب على ذلك فى أحياء ومدن شديدة الاكتظاظ بالسكان والحياة فيها بالغة الزحام.

أما الحكومة فاكتفت بحساب عدد الحالات التى تأتيها فى المستشفيات، ولم تتعب نفسها وتنزل إلى أرض الواقع لتستطلع الأمر عن كثب، وصدقت الكذبة التى تقول إن الحالات قليلة، لأنها تريد أن تصدقها، وكانت النتيجة أن أهملت فى تجهيز المطلوب للمواجهة، وها هى الآن تبحث عن أكسجين لإنقاذ المرضى ولا تجد.

لقد توافق الطرفان على السير فى طريق الكارثة.