اشتعال معركة الألومنيوم.. إغراق مصر بالواردات و«التجارة» تدرس فرض رسوم

كتب: صالح إبراهيم

اشتعال معركة الألومنيوم.. إغراق مصر بالواردات و«التجارة» تدرس فرض رسوم

اشتعال معركة الألومنيوم.. إغراق مصر بالواردات و«التجارة» تدرس فرض رسوم

على مدار السنوات الثلاث الماضية شهدت الأسواق العالمية متغيرات جوهرية ساهمت في إرباك العديد من الدول، والتأثير سلبًا على الكثير من الصناعات، كان أبرز هذه المتغيرات الحرب التجارية التي أشعلها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وترتب عليها موجة غير مسبوقة من الرسوم الحمائية التي ضربت منظومة التجارة الحرة وقواعدها في «مقتل».

«مصر للألومنيوم» وقعت فريسة للفوائض الإنتاجية وحرب «حرق الأسعار»

في مارس 2018 أعلنت الإدارة الأمريكية فرض رسوم حمائية على واردات بعض المنتجات، كان في مقدمتها الصلب والألومنيوم، بنسبة بلغت 10% على الأخيرة، ما ترتب عليه وجود فوائض إنتاجية لدى الدول المنتجة للألومنيوم، ومن ثم تحولت إلى سلع تبحث عن أسواق بديلة، لا تتمع بحماية كافية، وصالحة لتصريف تلك الفوائض، وكانت السوق المصرية على رأس تلك الأسواق.

زيادة كبيرة في كميات الاستيراد بنسبة وتراجع المبيعات المحلية

وخلال الفترة من 2018 حتى الوقت الحالي تسببت الحرب التجارية، وما تبعها من حرب أكبر أشعلها وباء كورونا، شهدت صناعة الألومنيوم في مصر أزمة كبرى دفعت بالمنتج الحكومي الأكبر، والوحيد، للصناعة الممثل في شركة «مصر للألومنيوم» بنجع حمادي إلي المعاناة تحت وطأة زيادة الواردات غير المسبوقة، وطوفان «حرق الأسعار».

وبحسب تقرير الحقائق الأساسية والنتائج الخاص بتحقيق إجراءات وقائية ضد الزيادة في الواردات من الألومنيوم، والذي أرسله قطاع المعالجات التجارية إلي الأطراف المعنية بالقضية، فقد أجبرت تلك الحرب الطاحنة، الشركة الحكومية على التقدم بشكوى بتاريخ 29 ديسمبر 2019 لقطاع المعالجات التجارية بوزارة التجارية، تدعى فيها وجود زيادة كبيرة في الواردات من منتجات الألومنيوم، ألحقت ضررًا جسيما بالصناعة المحلية، التي تمثل الشركة نسبة 100% منها.

فرض رسوم وقائية لا يهدف إلى منع الاستيراد ولن يؤدي إلى الاحتكار

ويقول التقرير الذي تنفرد «الوطن» بنشره، إن جهات التحقيق أعدت في 25 مارس 2020 تقريرًا بالشكوى تم عرضه على اللجنة الاستشارية المعنية، والتي قامت بدورها برفع توصياتها إلي وزيرة التجارة والصناعة ببدء إجراءات التحقيق ضد الواردات من منتجات الألومنيوم، موضحة أنه تم إبلاغ منظمة التجارة العالمية بالأمر في 22 أبريل من نفس العام، ثم بدأت في تلقي ردود الأطراف المعنية على الشكوى، وفي مقدمتهم المستوردون، والدول المنتجة.

ورصد التقرير الدول والشركات المتهمة بالقيام بإغراق مصر بمنتجات الألومنيوم، ومن بينها، الاتحاد الأوروبي وإندونيسيا والبحرين والإمارات والمكسيك وتايوان وروسيا وتركيا والسعودية والكويت وفيتنام وسلطنة عمان، كما ضمت القائمة شركات «انتركايرو» لصناعة الأولومنيوم، و«دلمار» لإنتاج قطاعات الألومنيوم، و«الكندية العالمية»، و«إيجيتال» و«كانكس لسحب الألومنيوم»، و«إربن سول الدولية للاستثمار الصناعي»، و«الكابلات الكهربائية»، و«الأفريقية لصناعة وتجارة الألومنيوم»، و«الاتحاد للألومنيوم يوني تال».

وبحسب التقرير، قامت لجنة التحقيق في ملف الإغراق بزيارة إلي مقر شركة مصر للألومنيوم للتحقق من صحة البيانات المقدمة منها، في نوفمبر الماضي، وكشف التقرير عن عقد جلسة مشاورات مع ممثلي الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وسلطنة عمان حول القضية في ديسمبر الماضي، باعتبارها من الدول المنتجة والمصدرة للألومنيوم إلى مصر.

ووفقًا لما جاء في مستندات حكومية، فإن وزارة التجارة والصناعة بعد كل هذه المدة قررت التحرك لحماية الصناعة المحلية، ببحث فرض رسوم إغراق على الدول التي تصدر ألومنيوم إلي السوق المصرية، أن واردات مصر من الألومنيوم شهدت طفرات غير مسبوقة، وبنسبة بلغت 422% خلال العام المالي 2018-2019، مقارنة بالعام المالي السابق، وقفزت تلك النسبة لتصل إلي 521% كزيادة في الواردات خلال النصف الأول من العام المالي 2019-2020، مقارنة بنفس الفترة من العام المالي 2016-2017.

وقال التقرير، إن سلطة التحقيق توصلت إلى وجود زيادة كبيرة وحادة ومفاجئة في حجم الواردات من الألومنيوم، وأرجع تلك الزيادة إلي عدد من المتغيرات، والتطورات غير المتوقعة، كان أهمها فرض رسوم وقائية نهائية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على واردتها من جميع مصادر منتجات الألومنيوم، ما أدى إلي انخفاض صادرات تلك الدول للسوق الأمريكية الضخمة، وشكل ضغطا على تلك الدول واتجاهها إلي البحث عن منافذ بيعية أخرى لا تتكبد فيها نفس قيمة الرسوم المفروضة والتي وصلت لمستويات غير مسبوقة، وهو ما جعل مصر هدفا سهلا لكميات كبيرة من واردات.

ورصد التقرير سببًا آخر تمثل في زيادة الطاقة الإنتاجية لدى بعض الدول المنتجة على نحو كبير وهو ما يعد الحافز الرئيسي للبحث جديا عن منافذ أخرى، وكبيرة تستوعب هذه الطاقات الإنتاجية الإضافية، مضيفا: على سبيل المثال قامت بعض الشركات بتشغيل خطوط إنتاج وإضافة مصاهر جديدة، ومن ثم أصبحت مصر أحد هذه المقاصد المستهدفة لاستيعاب كميات كبيرة من واردات الألومنيوم مما شكل تهديدا كبيرا للشركة الشاكية بالسوق المحلية، الممثلة في مصر للألومنيوم.

وتظهر البيانات الواردة في التقرير قفزات كبرى في واردات الألومنيوم، حيث ارتفعت من 14 ألف و521 طنًا في العام 2016-2017 إلى 31 ألف و378 طنًا في 2017-2018، ثم إلى 75 ألفًا و753 طنًا في العام 2018-2019.

وانعكست هذه الطفرة في الواردات على مبيعات الصناعة المحلية بصورة كبيرة وحادة، والتي تراجعت بنسبة 12% خلال العام 2017-2018، ثم إلي 46% خلال العام المالي التالي له، ووفقا للتقرير فقد شهدت المبيعات المحلية مزيدا من التراجع، حيث انخفضت خلال النصف الأول من عام 2019-2020 مقارنة بالنصف الأول من عام 2016-2017 ليصل إلي 84%.

وكشفت البيانات أيضا تراجع الحصة السوقية للمبيعات المحلية خلال عامي 2017-2018 و 2018-2019، بنسبة 12% و47%، لصالحة الحصة السوقية للواردات، وتظهر أنه خلال النصف الأول من العام المالي 2019-2020 انخفضت الحصة السوقية لمبيعات الصناعة المحلية بصورة حادة بلغت 73% مقارنة بفترة مثيلة من عام 2016-2017، في الوقت الذي زادت فيه الحصة السوقية للواردات بصورة كبيرة للغاية بلغت 971%، الأمر الذي يشير إلي استحواذ الواردا على جزء كبير من نصيب المبيعات المحلية في السوق.

وتوصلت سلطة التحقيق إلى انخفاض مبيعات الصناعة المحلية، و حصتها السوقية بدرجة كبيرة وتزامن ذلك مع زيادة حجم الواردات وحصتها السوقية، كما توصلت أيضا إلي انخفاض كل من الإنتاج ونسبة الطاقة المستغلة خلال فترة التحقيق، حيث تراجع حجم الإنتاج بنسبة 9% خلال النصف الأول من العام المالي 2019-2020، مقارنة بفترة مناظرة في 201-2017.

وكشف التقرير أن الصناعة المحلية حققت زيادة في الأرباح بنسبة 24%، عام 2017-2018، لكن هذه الأرباح تراجعت تزامنا مع "طوفان" الواردات، لتنخفض بنسبة 49% عام 2018-2019 مقارنة بعام 2016-2017، الأمر الذى يؤكد الضرر الجسيم الواقع على الصناعة، بحسب التقرير.

وعلى الرغم من زيادة صادرات شركة «مصر للألومنيوم» خلال العامين 2017-2018 و2018-2019 بنسبة 41% و42% على التوالي، إلا أن التقرير يؤكد أن تطور الأداء التصديري لا يعد سببا في الضرر الجسيم الذي لحق بالصناعة المحلية، مشيرا إلي أنه لا توجد أي منافسة في السوق المحلية مع أي منتج آخر قد يكون قد ترتب عليها الضرر، حيث أن الشركة الشاكية هى المنتج الوحيد.

وقال التقرير إن أحد الأطراف المعنية ادعى أن ارتفاع سعر الطاقة أحد الأسباب الرئيسية في الضرر الواقع على الصناعة المحلية، وإن سلطات التحقيق قامت بدراسة تأثير هذا الأمر على الصناعة، وتوصلت إلي أن هذا العامل لم يكن مؤثرا، حيث انخفضت أسعار الطاقة الموجهة للصناعات الثقيلة ومنها الألومنيوم، بداية من النصف الثاني من 2019، في حين ظلت الصناعة تعاني.

وبحسب التقرير فقد توصلت سلطة التحقيق إلى وجود علاقة سببية واضحة بين الزيادة الكبيرة والمفاجئة فى الواردات والتى حدثت كنتيجة للتطوارت غير المتوقعة وبين الضرر الجسيم الذى لحق بالصناعة المحلية.

وقال التقرير إن فرض رسوم وقائية على واردات مصر من الألومنيوم لا يهدف إلي منع الاستيراد ولن يؤدي إلي الاحتكار، وإن خفض أسعار المنتج المستورد أحد أشكال الممارسات الاحتكارية، وليس ارتفاع الأسعار، حيث تقوم الشركات بالتصدير بأسعار متدنية لفترة متدنية لحين السيطرة على السوق، ثم تقون برفع الأسعار، والإضرار بالمستهلك النهائي والصناعات المستخدمة للمنتجات محل التحقيق.

وأكد أنه حال فرض رسوم وقائية- يمكن للمستوردين اللجوء إلي أحد الخيارين، وهما إما الاستيراد في ظل العمل بالرسوم ولكن بتكلفة استيرادية عادلة، أو شراء المنتج المحلي، موضحا أن الحد من الاستيراد سيساهم في خفض عجز الميزان التجاري والحفاظ على العملة الأجنبية من خلال تقليل استيراد منتحات لها بديل محلي، لافتا في الوقت ذاته إلي أن الصناعة المحلية لديها فائض طاقة غير قادرة على استغلاله بسبب الواردات المتزايدة، و حتى في ظل تصدير كمية كبيرة من إنتاجها.

وقامت سلطة التحقيق برفع عدة توصيات بشأن ملف الألومنيوم، ترى فيها أن فرض الرسوم الوقائية على منتجات الألومنيوم سوف يخدم المصلحة العامة، لعدة أسباب، أهمها، أن شركة "مصر للألومنيوم تساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية بمصر منذ أكثر من أربعة عقود، حيث ساهمت في تحقيق تنمي بشرية من خلال خلق مجتمع عمراني متكامل على مساحة كبيرة من جنوب مصر، الأمر الذي يعزز دورها المجتمعي.وبحسب توصيات التقرير فإن الشركة تساهم في الدخل القومي لمصر، بأكثر من 40 مليار جنيه متمثلة في الضرائب والرسوم السلعية وعلى مكونات الإنتاج.


مواضيع متعلقة