بعد حلقة ريهام سعيد.. حكم الشرع في صيد الحيوانات البرية

بعد حلقة ريهام سعيد.. حكم الشرع في صيد الحيوانات البرية
أثارت الإعلامية ريهام سعيد، حالة من الجدل بعد عرض حلقة صيد الحيوانات البرية في برنامج "صبايا الخير" على قناة النهار، حيث هاجمها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي الإعلامي، رافضين صيد الثعالب البرية ومجموعة من الحيوانات البرية الأخرى الممنوع صيدها.
وشهدت حلقة ريهام سعيد، صيد ثعالب ونصب فخاخ لها، بإحدى المناطق الجبلية على الهواء مباشرة، وهو ما يخالف قانون البيئة لسنة 1994.
ووفقا للقانون فإن المادة (28) من قانون البيئة رقم 9 لسنة 2009 تنص على أنه "يحظر بأية طريقة القيام بأي من الأعمال الآتية: صيد أو قتل أو إمساك الطيور والحيوانات البرية والكائنات الحية المائية أو حيازتها أو نقلها أو تصديرها أو استيرادها أو الإتجار فيها حية أو ميتة كلها أو أجزائها أو مشتقاتها، أو القيام بأعمال من شأنها تدمير الموائل الطبيعية لها أو تغيير خواصها الطبيعية أو موائلها أو إتلاف أوكارها أو إعدام بيضها أو نتاجها".
وحول حكم الشرع في ذلك، قال الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية، إن الحفاظ على مكونات البيئة مطلب شرعي، دعا إليه الشرع الشريف وحث عليه، كما أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، والخوف من انقراض الحيوانات مبرر شرعي صحيح لتحريم صيدها والانتفاع بها، وهو ما نص عليه القانون المصري، وأن التعذيب يتنافى مع الرحمة التي تجب مع جميع المخلوقات.
وأضاف المفتي في فتواه، أن الإسلام اهتم بالبيئة اهتماما كبيرا؛ ووضع من التشريعات والقواعد ما يضمن سلامتها وتوازنها واستقرارها والحفاظ على جميع مكوناتها من ماء وهواء ونبات وحيوان وجماد، فأمر بعمارة الأرض وإصلاحها، ونهى عن الإفساد فيها؛ قال تعالى: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ [هود: 61]، وإعمارها إنما يكون بالحفاظ على ما فيها من مخلوقات حيوانية ونباتية، وتجنب كل ما يؤدي إلى إفسادها أو الإخلال بمكوناتها، قال تعالى: ﴿كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ [البقرة: 60].
وأوضح المفتي أنه يحرم صيد الحيوانات المهددة بالانقراض، فصيدها سيؤدي إلى إفناء سلالتها وتهديد بانقراضها وما يترتب على ذلك من اختلال التوازن البيئي الذي أمر الإنسان بالحفاظ عليه كمكون من مكونات إعمار الأرض، الذي هو مقصد من مقاصد الخلق؛ قال تعالى: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ [هود: 61].
وتابع بأن الشرع الشريف عد إفناء السلالات من الإفساد في الأرض؛ فقال تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة: 205].
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده"، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها»، قال الترمذي: حسن صحيح، ورواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" بلفظ: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم أكره أن أفنيها لأمرت بقتلها» وبنحو لفظه رواه الروياني في "مسنده".
وأخرج الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتل كل أسود بهيم».
قال الإمام أبو سليمان الخطابي في "معالم السنن" (4/ 289، ط. المطبعة العلمية): [معناه: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كره إفناء أمة من الأمم، وإعدام جيل من الخلق حتى يأتي عليه كله فلا يبقى منه باقية؛ لأنه ما من خلق لله تعالى إلا وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة] اه.
كما أنه قد تقرر في قواعد الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما أنه قد تقرر في قواعد الفقه أن "حكم الحاكم يرفع الخلاف" وذلك بما خول له من سلطة تمكنه من الوقوف على مصالح الأمور ومفاسدها، ولذا فقد أباح الشرع للحاكم حق تقييد المباح للمصلحة؛ كما هو الحال في "الحمى" التي يمنع الإمام فيها العامة من الانتفاع بموضع معين للمصلحة العامة، وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: 59].
وأما ما يفعله بعض الناس من تعذيب الحيوانات فهو تصرف محرم شرعا، بحسب المفتي، مضيفا : هذا التصرف السيء هو من كبائر الذنوب إلا يمكن قبول تعذيب الحيوان وإيلامه شرعا، وقد أمر الشرع بالرحمة مع جميع ما على الأرض من مخلوقات، وجعل تعذيب الحيوان من أسباب التعذيب في النار؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» أخرجه أبو داود والترمذي في "السنن".
ولعظم شأن الرحمة بالحيوان أخبر النبي صل الله عليه وآله وسلم، أن امرأة دخلت النار في هرة لم تطعمها حتى ماتت، وأن رجلا غفر الله له في كلب سقاه؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صل الله عليه وآله وسلم قال: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: «نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر» متفق عليه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه رأى رجلا يجر شاة برجلها ليذبحها، فقال له: "ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا" أخرجه الصنعاني في "مصنفه".
تابع المفتي: الإسلام عندما أحل للإنسان أكل الحيوان فقد حثه على الإحسان في طريقة قتله، وحذر من تعذيبه، وراعى الرفق والشفقة والرحمة في كل الوسائل المشروعة لإزهاق روحه؛ صيدا كان ذلك، أو ذبحا، أو نحرا، أو عقرا: فعن شداد بن أوس رضي الله عنه، قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته» رواه الإمام مسلم في "صحيحه".
قال القاضي عياض في شرحه "إكمال المعلم بفوائد مسلم "(6/ 395، ط. دار الوفاء): [وقوله: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»: عام في كل شيء؛ من التذكية، والقصاص، وإقامة الحدود، وغيرها، من أنه لا يعذب خلق الله، وليجهز في ذلك].