أردوغان يضر بالجيش التركي لصالح مشروعه الوهمي: اعتقالات وحملة تشويه

كتب: سعيد حجازي

أردوغان يضر بالجيش التركي لصالح مشروعه الوهمي: اعتقالات وحملة تشويه

أردوغان يضر بالجيش التركي لصالح مشروعه الوهمي: اعتقالات وحملة تشويه

يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تدخله في شئون البلاد المجاورة علي المستوي الداخلي والخارجي، ويسعي للتشكيك في مقدرات الدول سعياً لعودة خلافته الوهمية، وأدت تحركاته التي يصفها البعض بـ"العبثية" إلى تأثيرات سلبية على أوضاع بلاده اقتصاديا وعسكريا.

وبحسب تقرير لموقع «العربي الحديث»، فإن الرئيس التركي ينتهج سياسات حادة في تطويعه لكافة مؤسسات الدولة التركية ضمن مخططاته التوسعية في الإقليم، ومن أبرز هذه المؤسسات التي تضررت بشكل كبير بفعل السياسات الاردوغانية كانت مؤسسة القوات المسلحة التركية، حيث قام «اردوغان»، بتشويه الإطار التنظيمي والهيكلي للمؤسسة العسكرية التركية.

وبحسب التقرير فإن الجيش التركي ثاني أكبر قوة في حلف شمال الأطلسي، ولديه منظومة تسليحية غربية حديثة، تطال الأفرع الميدانية، ولطالما عرفت المؤسسة العسكرية التركية بالتزامها الحثيث بحماية العلمانية بالمجتمع التركي ومبادئ الكمالية الأتاتوركية التي تقوم على فصل الأيديولوجية الدينية عن توجهات الحكم الرئيسية.

وأطاح الجيش التركي عبر تاريخه المعاصر، ما بعد تأسيس الجمهورية، بأربعة حكومات، لحماية علمانية الجمهورية التركية، وكرس العسكريون الأتراك سيطرتهم على مقاليد السلطة في انقلاب عام 1960، الذي أدي إلى إعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس، ودشنت النخبة العسكرية التركية منذ ذلك الوقت مجلس الأمن القومي حيث كان بمثابة حكومة عميقة تدير الدولة بجانب حكومة مدنية محدودة الصلاحيات إذ تم تعيين مستشار عسكري لكل وزير ومنح المجلس صلاحيات تنفيذية كبيرة تتحكم في القرار الاستراتيجي لتركيا ولا سيما فيما يخص الحرب.

ولفهم كيف دمر أردوغان الجيش التركي وشل قدرات بعض أسلحته نتيجةً لذلك، ينبغي الوقوف الولا علي المراحل الرئيسية التي مر بها مجلس الأمن القومي التركي والتي من خلالاها يمكن إيضاح ماهية التدمير وأبعاده، حيث أن عملية تجريف وتدمير الجيش التركي بدأت مبكررة منذ العام 2003، أي بعد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم مباشرة

مجلس الأمن القومي التركي .. مراحل التغيير الرئيسية

تأسس مجلس األمن القومي بموجب المرسوم 14443 الذي أصدرته جمعية الدفاع التركية العليا في تاريخ 14 أبريل 1933 التي كانت تلتئم لمواكبة التطورات الكبرى في البلاد.

ومنذ تأسيسه، مر مجلس األمن القومي التركي بخمس مراحل تبعا للتطورات القانونية والإدارية المرافقة للتغييرات التي شهدها نظام الحكم، وما ترتب عليها من تغيير في دور الجيش في الحياة السياسية، وكذلك متطلبات التحول إلى الحياة المدنية ضمن شروط االنضمام إلى االتحاد األوروبي.

وكانت تلك المراحل على هذا النحو: هيئة الدفاع العليا «1933-1949» والمجلس القومي الأعلى للدفاع «1949- 1962» ومجلس الأمن القومي في ظل دستور عام 1961، «1962-1983»، ومجلس الأمن القومي في ظل دستورعام 1983، «1983-2003 »، ومجلس الأمن القومي منذ عام 2003.

في هذه المراحل الخمس تم تغيير تركيبة مجلس الأمن القومي ليكون أغلبه مدنيين كما تم تقليص صالحياته ليصبح ذو مهام استشارية وليس له صالحيات تنفيذية.

ومنذ عام 2003 ، بدأت تركيا تحت حكم العدالة والتنمية، في تقليص صالحيات المجلس ضمن الإجراءات البروتوكولية المتبعة لإتمام الانضمام الاتحادالأوروبي، وترافق ذلك مع تواتر العالقات بين رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان، وقادة الجيش التركي في حقب زمنية يمكن تقسيمها بين حقبتين، «2003 -2010»، و«2010- 2016»

الحقبة الأولى ما بين 2003 -2010

في هذه الحقبة انتهج العدالة والتنمية أسلوب مهادنة القطب الكمالي المهيمن على المؤسسة العسكرية، ولم يتخذ الحزب إجراءات أكثر حدة بالرغم من المواقف المعبرة عن عدم الارتياح لسياسات الحكومة التركية الجديدة ذات الهوي السالموي

وفي إبريل2003 قاطع مسؤولون في الجيش حفل استقبال أقامه رئيس البرلمان بمناسبة أحد الأعياد الرسمية لكون زوجته تردي الحجاب المحظور في مؤسسات الدولة والجامعات، كما شدد مجلس الأمن القومي في ذات الشهر، والسنة، في بيان له علي ضرورة حماية مبادئ العلمانية التي تشكل الدعامة الأساسية للبلاد.

وتوالت بعدها حمالت الإعتقال المحدودة بحق عشرات الضباط ممن وجهت لهم الحكومة تهم تتعلق بالإنضمام لتنظيم «ارغنكون» والتخطيط لعمليات انقالبية، ولاسيما في العام 2007،  حيث تم إعتقال 48 شخصا بينهم جنرالان سابقان بارزان في الجيش هما خورشيد طولونُ وسينير أرويغور، ورجال أعمال وصحفيون وسياسيون معروفون، على خلفية تورطهم في مخطط «أرغنكون» الإنقالبي ضد الحكومة.

وفي فبراير 2010 وجهت محكمة تركية الاتهام إلى جنرالين متقاعدين، هما القائد السابق للجيش الأول جيتين أدوغان والقائد السابق للقوات الخاصة إنجين آالن في الجيش، في قضية التآمر لإلطاحة بنظام الحكم، والضابطان هما أبرز شخصيتين يتم اعتقالهما بعد وجه الاتهام لثالثين منهم احتجاز نحو خمسين ضابطا.

وبشكل عام اتسمت الفترة الأولي، بمحاولة حزب العدالة والتنمية، تقليم أظافر المكون الكمالي الاتاتوركي في الجيش الساعي لتهديد وجود الحزب، دون إحداث تغيير حقيقيفي هياكل المؤسسة العسكرية بكلياتها ومعاهدها وأفرعها الميدانية.

الحقبة الثانية ما بين  2010 -2016

توصف هذه الحقبة كونها الأكثر تصادمية بين العدالة والتنمية وأقطاب الكمالية الاتاتوركية، بالقوات المسلحة التركية، والتي وإن تقاطعت مصالحها مع العدالة والتنمية، فإن التعارض أمام استمرارية كليهما في معادلة حكم واحدة.

ففي يوليو من العام 2011، وجهت الحكومة التركية الإتهام إلى 22 ضابطاعسكريا بالسعي لمحاولة جديدة للإنقلاب عليها وتأسيس مواقع إنترنت لبث دعاية معادية لها، ومن المتهمين في القضية رئيس القيادة التعليمية للجيش الجنرال نصرت تاشديلر، ورئيس استخبارات الأركان العامة إسماعيل حقي، والقائد السابق للجيش الأول الجنرال المتقاعد حسن إيغجيز.

وسبق ذلك الاتهام، اعتقال نحو 165 ضابطا بينهم أربعون جنرال في محاكمات «محاولة انقلابية»، والواضح في هذه الفترة كان ملاحقة حكومة العدالة والتنمية لمنفذي انقالب 1980، و1997، حيث أمرت النيابة العامة التركية باعتقال ثلاثة جنرالات متقاعدين بتهمة التورط في قضية الإطاحة بحكومة أربكان عام 1997، بينما أفرجت عن ثالثة آخرين ووضعتهم تحت المراقبة القضائية.

كما أصدرت محكمة جنايات أنقرة في العام 2014 حكما بالسجن مدى الحياة على كل من رئيس البالد الأسبق الجنرال كنعان إيفرن 96 عاما، وقائد القوات الجوية الأسبق تحسين شاهين كايا 89 عاما، وذلك بتهمة قلب النظام الدستوري لدورهما في انقلاب عسكري عام 1980.

ومنذ العام 2013، بدأت أولي محاولات التغيير الهيكلي في المؤسسة العسكرية التركية وتصعيد القادة من أصحاب الولاءت لشخص رئيس الوزراء، آنذاك، رجب طيب اردوغان، اًحيث أمر الأخير بتعيين الجنرال خلوصي آكار، وزير الدفاع الحالي، قائد للقوات البرية، إلى أن وصلت المؤسسة العسكرية التركية لنقطة التحول الفارقة على المستوي الهيكلي والوظيفي وذلك إبان محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016.

6 تغيرات كبري داخل الجيش لدعم مخطط اردوغان الإرهابي

إذ جرت من بعدها تغييرات كبري وفاصلة سعت لتنظيم الأدوار والعالقات داخل الجيش ومجلس الشوري العسكري الأعلي، يمكن حصرها في الاتي:

  1. تولي وزير الدفاع المسؤولية الأولي للمؤسسة العسكرية، بعد أن كان دوره تنسيفاً دون سلطة فعلية لتصبح تبعية رئيس الأركان لوزارة الدفاع
  2. إعادة هيكلة مجلس الشوري العسكري الأعلى، فبعد أسابيع من محاولة الإنقلاب الفاشلة، نشرت الجريدة الرسمية التركية قراراً يقضي بإعادة هيكلة مجلس الشورى العسكري الأعلي، وهو المجلس الذي يمتلك صلاحيات واسعة فيما يتعلق بإقرار الترقيات العليا في الجيش وإحالة الرتب العليا للتقاعد أو التمديد لها.
  3. تغييرات هيكلية في القوات المسلحة، حيث لحقت القيادة العامة لقوات الدرك وقيادة خفر السواحل بوزارة الداخلية، ضمن قرارات متتابعة خلال السنوات الأخيرة في إطار إعادة هيكلة الجيش
  4. تأسيس جامعة الدفاع الوطني، حيث نشرت الجريدة الرسمية في تركياً الأحد 31 يوليو 2016 قراراً بمرسوم يقضي بتأسيس جامعة جديدة باسم «الدفاع الوطني»، تابعة لوزارة الدفاع، وبموجب المرسوم الذي صدر في إطار حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 20 يوليو 2016، تتشكل الجامعة من معاهد تهدف لتقديم خدمات التعليم العالي وتخريج ضباط ركن، إضافة إلى  أكاديميات حربية وبحرية ومدارس إعداد ضباط صفويهدف تأسيس الجامعة إنتقاء الطلاب الراغبين في الالتحاق بالقوات المسلحة وتعزيز حضور أصحاب النزعات الدينية القومية، بما يتنافي مع المبادئ العلمانية السائدة في تاريخ المؤسسة العسكرية
  5. إقالة واعتقال نحو 20 ألف من صفوف القوات المسلحة وكان من أبرزهم قائد القوات الجوية أوكين أوزتورك
  6. تقلص عدد الجنرالات والميرالات في الجيش التركي بنسبة 40%، حيث انخفضت أعدادهم من 326 لـ 196، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة والتي توجه المعارضة التركية الإتهامات للرئيس التركي كونه اقام مسرحية الانقلاب الفاشل لتدمير الديش ودعم مشروعه الداعم الإرهاب وعدم الإستقرار بالمنطقة

حملات الاعتقال والإقالة بصفوف القوات البرية أدت إلى تخفيض عدد قواتها لنحو كبير وصل لنسبة 68%

لم تكن حركة التطهير التي شنها أردوغان على القوات المسلحة، عقب محاولة الانقلاب عام 2016، هي الأولى في إضعاف قوى السلاح الجوي التركي، بل سبق ذلك مشروع القانون الذي تقدمت به حكومة أردوغان عام 2012، والذي اختصر مدة الخدمة الإلزامية إلى 13 عاماً، وبذلك سهل من عملية انتقال الطيارين الأكفاء لصناعة الطيران الخاص من أجل الحصول على مرتبات أعلى

فقد طلب 251 من الطيارين التقاعد أو الإستقالة بموجب القانونوفي عام 2016 زادت عملية التطهير غير المتوقع التي قامت بها حكومة أردوغان د، حيث طرد أردوغان حوالي 300 طيار مقاتل، ممن يعملون على مقاتل إف 16،وهي تعتبر العمود الفقري لسلاح الجوي التركي وكذلك للدفاع الجوي، كون هذه الطائرات تتولي حماية سماء تركيا بدلا من الدفاعات الجوية المتواضعة

وتعد القوات الجوية التركية معقل المكون الاتاتوركي بالجيش التركي، وأشد التزاما بمبادئ العلمانية لمصطفي كمال اتاتورك، مما يجعل سلاح الجو وكوادره وقياداته وطياريه، العدو الأولي أردوغان في الجيش التركي

وأدت حمالت الاعتقال والإقالة بصفوف القوات البرية، إلى تخفيض عدد قواتها لنحو كبير، وصل لنسبة 68%، إذ تقلص عدد الجنود من 520 ألف في عام 2016 إلى 355 ألف حاليا كما تقلص عدد الضباط من 39 ألفا إلى 29 ألفا

الأمر الذي دفع بقيادة الجيش التركي وأجهزة استخباراته للعمل على نسج شبكة من الميليشيات والتنظيمات المسلحة الموالية لأنقرة بطول الشمال السوري، والغرب الليبي، لسد ثغرة انخفاض عدد أفراد القوات بهذه النسبة الكبيرة، ومن ثم شن الحمالت العسكرية بأقل خسائر ممكنة في صفوف الجيش التركي، ولكن بسجل مليء بجرائم الحرب الإبادة والتطهيرالعرقي التي ارتكبته االميليشيات والتنظيمات المسلحة بأوامر مباشرة من القادة الأتراك، وذلك للتهرب من احتمالات المسآئلة الجنائية الدولية.

ووصل عدد كبار الضباط المعتقلين في صفوف القوات البحرية لـ 48 ضابط منهم من أصحاب الخبرات الكبيرة، مما دفع بعض الأدميرالات المتقاعدين بالقول إن البحرية التركية تتعرض لمأساة بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة.

ويواجه نحو 80 ألف ضابط وقاض ومحام ومدرس وصحفي، خطر المحاكمة والإدانة، وفقد نحو 130 ألف موظف وظائفهم جراء حملة التطهير التي تلت الانقلاب

 


مواضيع متعلقة