صفارات غارات الإنجليز وإبريق "سي السيد".. نوادر "محمد" في مخزن المحلة

صفارات غارات الإنجليز وإبريق "سي السيد".. نوادر "محمد" في مخزن المحلة
- القطع النادرة
- المخطوطات النادرة
- المحلة
- الإنجليز
- الاستعمار
- القطع النادرة
- المخطوطات النادرة
- المحلة
- الإنجليز
- الاستعمار
مخزن صغير ذا باب حديدي أسفل عمارة سكنية تفوح من خلفه رائحة التاريخ، كلما هم صاحبه بفتحه تتطاير رائحة النحاس القديم والحديد وأوراق الكتب التي يرجع عمرها إلى أكثر من 100 عام، اعتاد رواد المقاهي والمحال المجاورة شمها ظهيرة كل يوم، يلفت أعين المارة حرصه الشديد على نفض الغبار يوميا من فوق القطع النادرة المتراصة على الأرفف الخشبية المثبتة بالجدران لا تُغري سوى من أحب كل ما هو قديم، إذا فكر أحدهم بالدخول إليه ينتقل عبر بوابة الزمن إلى فترة الاحتلال الإنجليزي والعصر العثماني وحقبة الحكم الملكي في مصر فيتطاير صاحب المقتنيات فرحًا فخورًا بحصاد تعبه ونجاحه في تعريف الجميع بكنوز مُخبأة من التاريخ.
منذ أن كان محمد عمر في السادسة من عمره شُغف حبًا بالاحتفاظ بالأشياء القديمة، كلما استبدل والده ساعته أو محفظته الجلد بأخرى جديدة يسرع بإخفائها بعيدًا عن الجميع في حقيبة لا يعرف مكانها أحد غيره، مدرسته التي كانت تجاور سوق للخردة، زرعت فيه تلك الهواية، "كنت بروح السوق أشتري حاجات قديمة من مصروفي وكبرت وزاد جوايا حب الهواية"، حتى خصص مخزنًا أسفل بيته للاحتفاظ بالقطع النادرة واتخذها مهنة يكتسب منها رغم عمله الأصلي كمعلم مادة الأحياء، يقول في بداية حديثه لـ"الوطن".
بين أسواق الخردة بالقاهرة والإسكندرية، والمحلة الكبرى، حيث يسكن الشاب الثلاثيني، يمضي محمد متنقلا بالساعات بين أرجائها بحثًا عن كل ما هو قديم ونادر، لا يتراجع عن شراء قطعة قيمة حتى لو نال الصدأ منها، "ممكن أجيب حاجة مصدية وأنضفها بسنفرة وفرشة وكربونات صوديوم وملح ليمون وخل خام عشان أبين الختم والتاريخ بتاعها"، ويحتفظ ببعضها في مخزنه الصغير الذي يتزاحم بمرور الأيام والشهور بالقطع النادرة ويعرض آخرون للبيع لمن يقدر قيمتها، "بفرح لإن الناس بتعرف تاريخ وعصور مرت على بلدنا"، بحسب وصفه.
يقتني محمد في مخزنه مقصات حربية استخدمها الإنجليز لقص الأسلاك الشائكة ومطارق استخدموها للحفر في أوقات الحرب
من الحربين العالميتين أي قبل أكثر من 100 عام يقتني محمد في مخزنه مقصات حربية استخدمها الإنجليز لقص الأسلاك الشائكة، ومطارق استخدموها للحفر في أوقات الحرب، وصفارات كانت تدوي صوتها وقت الغارات، جميعهم مختوم بتاريخ وبلد الصنع بريطانيا، يصفها بـ"القطع الأقرب إلى قلبه" لندرة تكرارها مرة أخرى.
الأباريق النحاس التي اعتاد الجمهور رؤيتها في أفلام السينما خلال تجسيد عصر "سي السيد" يحتفظ ابن المحلة الكبرى بالعديد منها في مخزنه الكائن أسفل بيته، يجاورها في الأرفف موازين أو مكاييل نحاس مختومة بختم السلطان حسين كامل الذي تولى حكم مصر في الفترة من 1914 حتى 1917، وبواجير سويدي المنشأ منذ حقبة الثلاثينات، ينتعش نفسه كلما شم رائحتها العتيقة، "ممكن ألف ساعات بين الأسواق عشان أجمع قطعة نادرة مش موجودة عند حد وبفرح لما بشتريها".
يقتني محمد كتب ومخطوطات منذ بداية دخول الطباعة لمصر
ليست الأدوات النحاسية والمكاييل وأدوات الإنجليز خلال الحربين العالميتين فقط التي تلمع عين محمد لها حين رؤيتها ويتلهف لاقتنائها، بل الكتب والمخطوطات النادرة التي ترجع إلى بداية عصر الطباعة الحجر في مصر، حيث الورق الكتان المصفر لونه والكتابة البارزة، ورائحة الورق القديم التي تفوح منه.
أبواب البيوت القديمة ذات الشكل المعروف، حيث الدرفتين والمقابض النحاسية ثقيلة الوزن، بدأ محمد اقتنائها في الأونة الأخيرة، يعثر عليها بعد هدم المنازل القديمة والاحتفاظ بالنجارة الخاصة بها والمقابض الحديد، "عندي أقفال من أيام التلاتينات والأربعينات وبوابات عمرها أكتر من 100 سنة" مؤكدا أن كل قطعة نادرة ولها جمهورها الراغبين في شرائها والحفاظ عليها حتى يستمر التاريخ متوارثًا بين الأجيال بحسب تعبيره.