فى قلب «كورونا»

رحم الله الزميل فتحى الصراوى، نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية، الذى وافاه الأجل متأثراً بإصابته بكورونا، ليكون الزميل الثانى -بعد الراحل محمود رياض- فى كتيبة الصحفيين المصريين الذين قابلوا وجه ربهم جرّاء الإصابة بالفيروس اللعين. الكل أصبح عرضة للإصابة، لكن يبقى أن احتمالات الإصابة بين من يقتضى عملهم التحرك بين الناس أعلى من غيرهم. بمناسبة اليوم العالمى للصحافة، أوائل الشهر الحالى، ناشد أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش العالم بتوفير الحماية للصحفيين الذين يقفون فى الصفوف الأمامية فى مواجهة فيروس كورونا، ويغامرون يومياً لنقل آخر أخبار الوباء من داخل المستشفيات ومن خلال إجراء المقابلات مع الأطباء والممرضات والمسئولين السياسيين والأخصائيين والعلماء وحتى المرضى.

فى الأحداث الكبرى -مثل جائحة كورونا- يكون الجمهور متعطشاً لأية معلومات دقيقة وحقيقية وصادقة تحيطه علماً بمسارات تطور المرض، وتشرح له طرق الوقاية منه، وتساعده بالتحليل والتنوير على بناء وعى متكامل حول كيفية التعامل مع المرض، وسبل الوقاية منه، وأدوات حماية الذات ومن يحيط بها من أفراد من الإصابة به. الحصول على المعلومة يقتضى التحرك والاحتكاك فى المواصلات العامة، ومع المصادر داخل المستشفيات، أو داخل وزارة الصحة. حتى من يجلس داخل الجريدة ليستقبل ثمرة سعى أبناء المهنة فى تغطية الأحداث مهدد هو الآخر بدخول حامل للفيروس عليه والتقاط العدوى منه. ومهما قيل عن الدور الذى لعبته الأدوات التكنولوجية الجديدة فى تخفيف معدلات الاحتكاك بين الصحفى والغير، فإن المهنة تقتضى باستمرار هذا الاحتكاك، ولم يزل من الصعوبة بمكان إدارتها عن بُعد، كما هو الحال فى مهن أخرى عديدة. الصحفى مطالب دائماً بأن يكون فى قلب الحدث، حتى ولو كان الحدث وباء اسمه «كورونا».

كورونا ليس الحدث الأول الذى يضع أبناء المهنة فى دوائر الخطر، فالخطر جزء من أقدار هؤلاء، بل قل إنهم فى دائرة الخطر دائماً. فى أشد الحروب قسوة، وفى البقاع الجغرافية التى تحتضن أوبئة، أو تشهد كوارث طبيعية كالزلازل والأعاصير وغيرهما، تجد الصحفيين حاضرين يؤدون دورهم فى نقل المعلومات إلى الجمهور. ما أكثر ما سقط منهم ضحايا فى مثل هذه الأحداث، لكن ذلك لم يصدهم عن الاستمرار فى القيام بدورهم. وأخشى أن أقول إنه مع بلوغ الفيروس نقطة الذروة خلال الأيام القادمة فمن الطبيعى أن تزيد حركة الصحفيين، وبالتالى ترتفع معدلات الإصابة بينهم. وتفرض هذه الأوضاع على المؤسسات الصحفية وكذا نقابة الصحفيين والهيئة الوطنية للصحافة توفير مستلزمات الحماية من الإصابة بالمرض، من كمامات، وحواجز بلاستيكية، مع التعقيم المستمر للمؤسسات. ولا يقُل لى أحد إن ذلك يحدث فعلاً، لأنه إن التزمت به مؤسسة فإن مؤسسات لا تلتزم!.

العقل والدين يقولان إن الأخذ بالأسباب ضرورة، والتوكل على الله بعد ذلك قيمة لا تعدلها قيمة. نسأل الله تعالى أن يحفظ أبناء المهنة، وأبناء المهن الأخرى الذين يفرض عليهم عملهم الاحتكاك بالآخرين، وأن يحمى أبناء هذا البلد الطيب جميعهم من كل مكروه وسوء «والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين».