مغزى رسائل البسطاء إلى «السيسى»

فى لقائه الأخير مع الإعلاميين قال المشير «السيسى»: «بتجيلى رسايل من ناس مش لاقية تاكل وتقول لى مابناكلش وقابلين عشان خاطرك». ويحكى الحاضرون أن دموع «المشير» انسالت وهو يقص عليهم تلك الواقعة. لست هنا فى سياق البحث عن الكيفية التى وصلت بها هذه الرسائل إلى المشير. الأهم، من وجهة نظرى، سؤال حول الطريقة التى فهم بها «السيسى» مغزى هذه الرسائل التى تأثر بها إلى حد البكاء. من وجهة نظرى أن مفتاح فهم مغزى هذه الرسائل تلخصه كلمة واحدة، هى «الثقة». «الثقة» فى شخص «المشير» وقدرته على انتشال مصر من وهدتها الحالية. يجب أن يحذر «السيسى» من أن يفهم هذه الرسالة فى سياق «المحبة»، محبة الكثيرين له قائمة ولا شك، لكن المحبة لا تدوم، لقد أطلق الإنسان وصف «القلب» على محل الحب فى الجسد، إشارة إلى حالة التقلب التى تعتريه، فتقلب المحبة إلى كراهية والكراهية إلى محبة، ومن السهل على الإنسان أن يغفر لمن يكره، لكن من الصعوبة بمكان أن يغفر لمن يحب. والناس أميل إلى منح المسئولية لمن يثقون فيه، بغض النظر عن مشاعرهم نحوه. الرسائل التى وصلت المشير تؤكد أن فقراء هذا الوطن يضعون ثقتهم فيه، ويرون أنه الرجل الأقدر على إزحة تلال المعاناة التى يرزحون أسفل منها منذ سنين: المعاناة الاقتصادية، والمعاناة المعيشية، وإحساسهم بإهدار الكرامة. يجب ألا ينسى «المشير» أن كلمة السر فى دخوله قلوب الكثير من المصريين ارتبطت بتلك العبارة التى تضمنها بيان القوات المسلحة قبل الموجة الثالثة لثورة يناير فى «30 يونيو»، عبارة: «هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه». الرسائل التى وصلت إلى السيسى تعكس ثقة قطاع من المصريين بأن هذا الرجل هو الأقدر على الحنوّ عليهم بعد عقود من السحق والانسحاق. الرسالة إذن جوهرها «مسئولية» أصبحت ملقاة على أكتاف «السيسى». فهل سيكون على قدرها أم لا؟ التجربة هى التى ستقدم لنا الإجابة، بعد أن كادت أن تصبح النتائج محسومة لصالحه، لكن المؤكد أن هذا الشعب لا يمكنه الاطمئنان إلى رد فعله إذا أحس بأنه أولى ثقته لمن لا يستحقها. وقد عاين المشير «السيسى» ثورة هذا الشعب ضد رئيسين، احتشد وراء أحدهما دولة، واحتشد وراء الآخر جماعة. وفى الحالتين لم «يغلب» الشعب فى أى منهما، وأطاح بهما فى اللحظة التى اهتزت ثقته فى أدائهما. الناس مرهقة، وإقدامها على وضع الثقة فى شخص معين يمكن أن يكون تعبيراً عن حالة تعب. أفهم أن المشير يطلب من هذا الشعب أن يطيل باله عليه، لأن «الشيلة تقيلة»، وهو طلب فى محله، لكن عليه أن يستوعب -من ناحيته- أن هذا الشعب من حقه أن يحصل من حين إلى آخر على «أمارة» تؤشر إلى أن «السيسى» يسير على طريق رفع المعاناة عن البسطاء. أذكر أن «مبارك» لم يكن يفوت خطاباً أو حديثاً دون أن يعبر فيه عن محبته وعشقه وولهه بـ«محدودى الدخل». وقد انتهى عصره بزيادة ملموسة فى أعدادهم! ويبدو أن «مبارك» حرص على زيادتهم حتى لا ينقرضوا.. فلو انقرض محدودو الدخل.. مبارك كان حيحب مين؟!