هل تسير أمريكا نحو مصير أوروبا؟

وقت المحن تراقب الشعوب الأداء أكثر مما تفعل فى أوقات أخرى، تنظر وتفتش فى الإجراءات والمواقف سواء تلك التى تصب فى التخفيف من أثر المحنة عليها، أو تلك التى تسهم فى تعميق جراحاتها. وبعد زوال المحنة يكون التقييم ويأتى الحساب، فتتراجع أفكار وتنحسر أدوار وتتقدم مؤسسات وتهتز أوضاع مؤسسات أخرى وهكذا. لا ينطبق هذا الكلام على تجربة مثلما ينطبق على التجربة التى عاشتها بعض الدول الأوروبية فى مواجهة «فيروس كورونا».

فى إيطاليا يشعر المواطن بمرارة كبيرة نتيجة إحساس تكرس لديه بأن الدول الأوروبية التى تعمل تحت مظلة اتحاد اسمه «الاتحاد الأوروبى» لم تمد له يد العون فى محنته. آلاف الإصابات بفيروس كورونا تنضم يومياً إلى قائمة المصابين، ومئات الوفيات تضاف كل بضع ساعات إلى قائمة المتوفين. بلغت الأزمة فى إيطاليا ذروتها لكنها تأبى أن تنكسر. أبسط المعونات التى يحتاج إليها الإيطاليون لا تتعاون الدول الأوروبية فى توفيرها، لأن كل دولة أصبحت ترفع شعار «نفسى.. نفسى». مشاهد شديدة الإثارة تداولتها وسائل الإعلام تعرض لمجموعة من المواطنين الإيطاليين وهم يقومون بحرق علم الاتحاد الأوروبى، وهم يرددون عبارة «سننقذ أنفسنا»، بينما يجرى تشغيل النشيد الوطنى الإيطالى فى الخلفية. الوضع فى إسبانيا لا يقل سوءاً عن إيطاليا؛ فالمواطن الإسبانى يعانى هو الآخر معاناة عميقة من مأساة كورونا التى تضرب فى كل أنحاء الدولة.

بعض المسئولين الأوروبيين يؤكدون أن الإحساس بالمرارة الذى يسيطر على مواطنى إيطاليا وإسبانيا مرده دعاية سوداء تقوم بها كل من موسكو وبكين، وأخبار مضللة تنشرها الأدوات الإعلامية فى العاصمتين لهز الأوضاع السياسية والاقتصادية فى أوروبا، والمباهاة على عواصمها بأنها تمكنت من السيطرة على الفيروس بصورة أسرع وأنجح من الحكومات الأوروبية المتعثرة والعاجزة عن التعاون فيما بينها لتوفير الأطقم الطبية والمستلزمات الوقائية والعلاجية لمواجهة كورونا، وأن المساعدات التى تصلها من موسكو وبكين هى الأجدى والأنفع للمواطن الأوروبى فى المحنة.

والسؤال: هل يمكن أن تتطور الأوضاع فى الولايات المتحدة الأمريكية فى المسار ذاته، فنجد ولايات معينة توجه اتهامات للحكومة الفيدرالية بأنها تحابى ولايات على حساب ولايات أخرى؟ لقد أعلنت الطوارئ حتى اللحظة فى 10 ولايات أمريكية، وبعضها يشتكى من عدم توافر المستلزمات الطبية المطلوبة لمواجهة الفيروس، وثمة تلميحات بأن ولايات بعينها تحظى باهتمام الحكومة الأمريكية أكثر من غيرها. فهل يمكن أن يتكرر المشهد الحادث فى أوروبا داخل الولايات المتحدة الأمريكية؟. قد يكون الوضع فى الولايات المتحدة مختلفاً عن أوروبا من جوانب عديدة، لكن التجربة تقول إن السلوك البشرى ثابت ونمطى فيما يتعلق بالتعامل مع جائحة كورونا، الأمر الذى يفتح الباب على مصراعيه أمام كل السيناريوهات.

أصعب نتيجة يمكن أن تترتب على كابوس كورونا ترتبط بفكرة «التفكك». فالأداء الذى يعتمد على الأنانية ومحاولة إنقاذ الذات حتى ولو كان على حساب الآخر، يفكك عرى الارتباط ما بين البشر. ولك أن تتخيل تأثير التحولات الملاحظة على المزاجين الأوروبى والأمريكى خلال فترة مواجهة الفيروس مع الأزمات الاقتصادية والسياسية المتوقعة عقب السيطرة عليه، لتخرج بتصور عن الكيفية التى سيكون عليها الزمن الغربى المقبل.