الثقوب السوداء فى "صفقة القرن"

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

بعكس ما حدث بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية عام 1978، حين جاء رد الفعل العربى حازماً برفضها بالإجماع، يأتى رد الفعل على «صفقة القرن» التى أعدها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الخاصة بالفلسطينيين وإسرائيل متململاً مهزوزاً بين الرفض على استحياء والقبول بحجة النظر إلى نصف الكأس المملوء، على حد تعبير الملك عبدالله، ملك الأردن، لقناة فرانس 24 الفرنسية!. فماذا يحوى نصف الكأس المملوء بعد اطلاع الأردن الكامل على بنود الصفقة؟

فمنذ الإعلان عن التجهيز لطبخة الصفقة فى «واشنطن» والعرب يراوحون ويترقبون الإعلان عن تفاصيلها، رغم التسريات الكثيرة التى تطرقت لبنودها على مدار الأعوام الأربعة الماضية بين الرفض الفلسطينى المطلق والتململ العربى، لكن مع الإعلان الرسمى عنها دخل الفلسطينيون فى مأزق انعدام الخيارات فليس أمامهم سوى الرفض، فيما يستغل القادة الإسرائيليون الصفقة كدعاية انتخابية لتشكيل حكومة متعثرة منذ عام، ومع ذلك فإن الموقف العربى منها لم يكن مشابهاً لموقفهم من اتفاقية كامب ديفيد حين اتحدوا على رفضها وقرروا مقاطعة مصر، وربما كانت معاهدة كامب ديفيد لو تم قبولها عربياً حينذاك أفضل كثيراً مما تقدمه صفقة القرن الآن التى تعطى كل شىء لإسرائيل ولا شىء للفلسطينيين.

صفقة القرن عبارة عن إعادة إنتاج للأطماع الإسرائيلية بشرعية دولية عربية، دولة مستقلة بكثير من القيود، بدون جيش، وبدون سيطرة على المجال الجوى والمعابر والحدود، بدون صلاحية عقد التحالفات مع الدول الأجنبية، وبـ70% فقط من أراضى الضفة الغربية متصلة بممر آمن (نفق) يوصلها بالجزء الآخر منها المتمثل فى قطاع غزة، إسرائيل بداخلها وتسيطر على كافة مناحى الحياة بمستوطنات تقطع أوصالها، نزع سلاح حركتى حماس والجهاد الإسلامى فى قطاع غزة، فضلاً عن أن حق العودة مرفوض، والقدس تخضع للسيادة الإسرائيلية دون تقسيم، مع تقديم النذر اليسير من الأموال العربية لدعم اقتصادها. هذه هى دولة فلسطين الجديدة كما تراها صفقة ترامب.

شروط تعجيزية وتفاصيل مروعة، كشفت عنها صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية لخطة السلام الأمريكية دمرت حق الفلسطينيين بدولة مستقلة ذات سيادة ومنّت عليهم باختيار أى عاصمة يريدونها لهم شريطة أن تكون خارج جدار الفصل العنصرى ولتكن فى بلدة شعفاط!

وبما أن الإدارة الأمريكية تدرك صعوبة تنفيذ اقتراح كهذا من قبَل السلطة الفلسطينية، فقد وضعت «مدة تحضير» الصفقة لـ4 سنوات، تستطيع السلطة خلالها التراجع عن رفضها الرسمى، كما تستطيع تهيئة الموقف العربى واستمالته على نار هادئة للموافقة دون عقبات تعترض طريقها، الأمر الذى يضعف الموقف الفلسطينى ويجعله وحيداً دون اصطفاف عربى، وهو ما لم يحدث إبان معاهدة كامب ديفيد.

الآن سيدفع الفلسطينيون ثمن قولهم «لا» سابقاً، فمنذ عشرينات القرن الماضى عُرض عليهم دولة بمساحة أكبر لكنهم رفضوا وقد حان الوقت لدفع الثمن. تلك الرؤية يحملها الكاتب الإسرائيلى «بن درور يمينيفى»، حين قال: «صفقة القرن تقدم لإسرائيل أكثر من أى اقتراح سلام آخر تم تقديمه خلال العقدين الأخيرين، وأقل بكثير للفلسطينيين»، ويتساءل «هل هذا عادل؟»، ثم يستدرك قائلاً: «اعتاد الفلسطينيون فى العقود الأخيرة على تلقى عرض جيد وفى كل مرة يرفضون فيها اقتراحاً آخر».

لمواجهة خطر الصفقة وإصرار الإدارة الأمريكية الإجهاز على الفلسطينيين وقضيتهم، فعلى السلطة الفلسطينية وحركة حماس التوقف عن ارتكاب أخطاء استراتيجية قاتلة فى الوقت الحالى، فالأولى يجب عليها أن تحل نفسها وتحويل الضفة إلى أرض محتلة وتُعامل إسرائيل كدولة محتلة، و«حماس» تتخلى عن حكمها للقطاع الذى يجب أن يعود حكمه لإسرائيل.

هذه الخيارات هى الأمثل لإفشال (صفقة القرن) وتربك إسرائيل باعتبارها دولة احتلال، وإن لم يتم العمل بذلك، فيمكن القول أن السلطة ستنتهى أولاً ثم يأتى الدور على «حماس» للقضاء عليها، وليس فقط نزع سلاحها. علينا التوقف عن المعطيات العاطفية والعنترية، والتواطؤ الدولى، ونحن ما زلنا نقف متفرجين، وهذا الأمر إن لم يتم حسمه ستمر الصفقة بسهولة ودون أى جهد.