تدمير "القناطر الخيرية".. فكرة قادت "قطب" إلى المشنقة

كتب: أحمد الدرينى

تدمير "القناطر الخيرية".. فكرة قادت "قطب" إلى المشنقة

تدمير "القناطر الخيرية".. فكرة قادت "قطب" إلى المشنقة

«وما الذى يدعوك لاقتراح تخريب القناطر الخيرية؟».. حين توجه وكيل نيابة أمن الدولة العليا صلاح نصار بهذا السؤال للمتهم سيد قطب إبراهيم بعد الثالثة عصراً بقليل، مساء ٢٠ ديسمبر ١٩٦٥، كان على الأرجح قد أدرك نمط الإجابات المتضارب الذى يكتنف اعترافات سيد قطب على مدار الاستجوابات السابقة، وكان على الأرجح قد رأى «قطب» وهو يمضى فى المستقبل القريب بالبذلة الحمراء متهادياً إلى حبل المشنقة.

التحقيق مع "قطب" يكشف عن خطط تدمير محطات الكهرباء والكبارى لإرباك السلطات 6 أشهر

فقد توفر الأساس المتين للإدانة الجنائية للمتهمين بالاعتراف بالتخطيط لضرب القناطر وما يترتب عليه من إغراق الدلتا وإهلاك الحرث والنسل، وهو لب قضية تنظيم ٦٥، التى جرجرها الإخوان المسلمون تاريخياً خارج سياقها الجنائى المحض، ليكرسوا فى أذهان الأجيال أن «قطب» حوكم وأُعدم لأسباب تتعلق بأفكاره. كما لو كانت أفكاره هذه مجرد أطروحات هائمة عن الفنون والعلوم والجغرافيا والمسرح.

أمعن صلاح نصار فى محاولة فهم نمط القيادة واختصاصات الأفراد وتراتبية القرار داخل التنظيم الخاص الذى أنشأه سيد قطب فى الفترة من ١٩٥٩ وحتى ١٩٦٥، منذ كان مسجوناً على ذمة قضية محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فى حادث المنشية عام ١٩٥٤، حتى استقر فى ذهن «نصار» تصور عام عن الميليشيا التى يحقق فيها هو وثمانية من زملائه من نيابة أمن الدولة العليا، ولم يكن يشوش ما أحس «نصار» أنه على وشك تكييفه وتحييثه.. سوى كلام «قطب» المتناقض والمضطرب.

بل لعله شخص قطب الذى لن يتنصل من «الزعامة» و«القيادة» و«الإلهام» لهذا الفصيل المسلح، لكنه فى نفس الوقت سينكر معرفته بمصادر التمويل أو مقداره، معتبراً أن هذا من «خصوصيات» عبدالفتاح إسماعيل، الذى كان يتولى ماليات التنظيم وجانباً من عمليات التجنيد والإدارة.

مزيج من الترفع الذى يمكن وصفه بالحمق، وكثير من المراوغة التى يمكن نعتها بالسخف.

سيسأل صلاح نصار، محاولاً استجلاء الإجابة، حين كرر السؤال مرة أخرى بعد توجيهه عدة استفسارات ناقشت محاور مختلفة من جوانب التنظيم، وكأنه يمهد الطريق لنفسه بمعطيات جديدة يمكن أن تضيق الخناق على المراوغ «قطب».

يقول «نصار»:

أليس من المعقول أن تتبين مصدر هذه المبالغ المتجمعة بيدهم وأنت تقودهم حتى تستوثق من الجهات المحركة لهم؟

يجيب قطب:

- كان عندى مفهوم عام من مجموع كلام عبدالفتاح إسماعيل أن هذه المبالغ من إخوان السعودية الذين اتصل بهم أثناء وجوده بالحجاز.

يسأل «نصار»:

معنى هذا أنك فهمت أن تمويل هذا التنظيم من الخارج؟

يجيب قطب:

- نعم من الخارج ولكن فى إحساسنا اعتبار عام بأن أى أخ فى أى بلد هو يرتبط بنا على أساس العقيدة والفكرة لا على الأساس الإقليمى، وعندما نذكر «الإخوان» فلن نسأل عن جنسياتهم من الناحية الإقليمية.

سيعترف «قطب» بتلقى التمويل من الخارج، كما سيعترف بكل شىء آخر حين يبلغه انهيار أعضاء التنظيم وإقرارهم بأدق التفاصيل، لكن إجابة سؤال تفجير القناطر الخيرية، ستكون هى العمود الفقرى الذى ينتظم على ضفافه كل شىء.

يقول «قطب»:

- أنا ذكرت القناطر بمناسبة تعليق أحدهم على أن تدمير محطات الكهرباء وكبارى القاهرة يحدث ارتباكاً شديداً للسلطات قد يمتد 6 أشهر، فقلت «والقناطر تحدث ارتباكاً أشد».

تمكن صلاح نصار من انتزاع اعترافات «قطب» عن التخطيط لنسف القناطر وضرب محطات الكهرباء والكبارى، جنباً إلى جنب مع اعترافه بالتخطيط لاغتيال جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وزكريا محيى الدين وشمس بدران وعلى صبرى.

لكن اللافت لقارئ هذه التحقيقات بعد ما يزيد على ٦٠ عاماً على إجرائها، هو ذلك المسعى الفلسفى من وكيل نيابة أمن الدولة العليا لفهم التكوين النفسى والأساس الفكرى الذى قامت عليه معتقدات «قطب». الأمر الذى يبدو أحياناً كما لو كان أشبه بمناظرة أو بتجول فكرى فى جنبات عقل هذا الرجل الذى مسخ العشرات من أتباعه لقتلة محتملين. وعند نقطة بعينها بينما يسترسل «قطب» فى حديثه عن أن الوطن لا يقوم على أساس الولاء الجغرافى وإنما العقائدى فحسب، وعند سؤاله عن معنى الحاكمية فى رأيه، سيبزغ أمام «نصار» السؤال البديهى:

وما مدلول عبارة «الحاكمية» فى رأيك؟

- أن تكون شريعة الله هى قاعدة التشريع.

ومتى نودى بهذه العبارة فيما تعرف؟

- ده تعبير أنا استقيته من دراستى للإسلام.

ألا تعرف أن هذه كلمة قالها الخوارج قديماً وقد قال عنها الإمام على «أنها كلمة حق أريد بها باطل»؟

- أنا لا أتذكر موضعها هذا من التاريخ. (...)

يسأل المحقق بوضوح فى موضع آخر:

وما الفرق بين ما تنادى به وما ينادى به أبوالأعلى المودودى؟

يجيب سيد قطب بكلمتين مقتضبتين بليغتين:

- لا فرق!

ذات السؤال الذى سيفرض نفسه على المحقق صلاح نصار، سيكون حاضراً ولكن على هيئة إجابة جازمة فى مذكرات ادعاء ممثل الادعاء الثانى، وتاسع المحققين فى القضية، المستشار سمير ناجى، الذى سيقف أمام الفريق أول محمد فؤاد الدجوى قائلاً إنه بعد التحقيق فى تفاصيل وخفايا هذا التنظيم، تكوّن لديه يقين أنه أمام: الخوارج الأزارقة!

وهو أحد أشد فصائل الخوارج تطرفاً على الإطلاق، ليتكون فى أعماق نفس المحققين، أنه بمعزل عن البعد الجنائى للقضية من السعى للاغتيال والتفجير والتخريب، فإن ملمحاً دينياً فكرياً يهيمن على أبعاد هذه الصورة.. ألا وهو انبعاث الخوارج من قبورهم، وتحضير «عفاريتهم» على يد سيد قطب ورفاقه.


مواضيع متعلقة