من أسيوط إلى المشنقة.. محطات في حياة التكفيري "قطب"

كتب: أحمد الدرينى

من أسيوط إلى المشنقة.. محطات في حياة التكفيري "قطب"

من أسيوط إلى المشنقة.. محطات في حياة التكفيري "قطب"

فى العام ١٩٠٦، وفى قرية موشا بأسيوط، ولد سيد قطب لأسرة تتاخم حدود اليُسر فى العيش، وفى أوائل الثلاثينات تخرج فى كلية دار العلوم واشتغل بالتدريس للأطفال عدة سنوات، قبل أن يبذل قصارى جهده ويوظف كل علاقاته للحصول على منحة دراسية بالولايات المتحدة عام ١٩٤٨.

1938

يسجل أرشيف الصحافة المصرية، أولى مكاتبات سيد قطب لبريد قراء جريدة الأهرام فى العام ١٩٣٨، وهى مراسلات تدور فى فلك الاهتمام بشئون المعلمين والطلاب، أو الانشغال بقضايا منطقة حلوان وشكاوى سكانها من الصراصير وطفح المجارى، أو إعادة تلخيص مقالات المفكر العملاق عباس محمود العقاد!

العلاقة التى ربطت سيد قطب بالعقاد، تكاد تكون هى الأكثر مفصلية وسط سلسلة العلاقات الميلودرامية التى سينسجها قطب مع رموز عصره، فقد اعتبر نفسه مريداً فى محراب العقاد، وتفرغ لشرح مقالاته وإعادة تلخيص مقولاته الكبرى.

بيد أن العقاد، وفقاً لبعض الروايات، لم يبادله مثل هذا الاهتمام ولم يعمده تلميذاً من تلامذته، حتى إنه رفض تقديم أحد كتب سيد قطب، فما كان من الأخير إلا أن خلع نفسه تماماً من عباءة العقاد ومن معنى التتلمذ والتعلم، وحرر نفسه من ضرورة أن يجيزه أستاذ ما، وقرر أن يعترف هو بنفسه، ليصبح بوصلة ذاته، والقادمين فى إثره والمتحلقين حواليه.

العلاقة بالعقاد ستهيمن على نفس قطب حتى إنه حين يكتب روايته الوحيدة «أشواك» ستبدو شديدة الشبه برواية العقاد الوحيدة «سارة».. لكن ذلك لن يمنعه أن يقفو أثر طه حسين فى كتابه الأشهر «الأيام»، فيكتب على منواله «طفل من القرية» مصدراً الكتاب بإهداء صريح لطه حسين.

ستمتد قدرته على إعادة طرح أفكار غيره، حتى إنه سيبدو بلا فكرة شخصية مجزوم بنسبتها إليه خالصة من شوائب الآخرين.. سيقفو طه حسين مجدداً وسيكتب العدالة الاجتماعية فى الإسلام على خطى «المعذبون فى الأرض»، وسيمضى فى «معالم فى الطريق» وكأنه يعتصر أفكار أبى الأعلى المودودى ليخرجها قطبية المذاق.. الوحيد الذى لن يتمكن قطب من استلهامه، هو نجيب محفوظ! الروائى الماكر الذى سيحول قطب نفسه إلى شخصية من شخوص عوالمه الفسيحة.. فمن بعد المعرفة الشخصية التى ربطتهما فى سنيهما المبكرة، زار محفوظ قطباً فى أيامه الأخيرة قبل كشف أوراق تنظيم ٦٥، وبقدر ما أصابه الذعر مما صار إليه الشاعر والكاتب.. بقدر ما أدرك أنه أصبح فى حد ذاته مادة روائية خصبة سيقدمها فيما بعد فى شخصية «عبدالوهاب إسماعيل» فى عمله ذائع الصيت «المرايا»

1948

ابتُعث سيد قطب للولايات المتحدة وهو فى الثانية والأربعين من عمره عام 1948 بعد معركة بيروقراطية دؤوب كى يحصل على البعثة فى مثل هذا العمر، وتسجل صفحات جريدة الأهرام 9 مقالات لقطب، من مقره فى سان فرانسيسكو، يحكى فيها عن أمريكا التى لفتت انتباهه.. العناوين الثلاثة الأهم كانت لمقالاته «معنى الحرية فى أمريكا».. «معنى الديمقراطية فى أمريكا».. «كيف يكافحون الشيوعية فى أمريكا».. أما مقاله «عقلية الإحصاء وعقلية الدولة» فهو المقال الذى سيحضر بعد ستة عشر عاماً فى محاكمته على رأس التنظيم!

سيقول قطب إن النظريات الإحصائية حكمت رؤيته لقدرات أفراد التنظيم وأدوارهم، سيسأله رئيس المحكمة الفريق أول محمد فؤاد الدجوى عن هذه الحسابات التى يجريها.. «علام تستند؟».. وسيوضح قطب أن دراساته التعليمية التى يفترض أن تمكن المدرس من فهم قدرات واستجابات طلابه، تمكن من تطبيقها على أفراد التنظيم واستلهم من أسسها العلمية أسساً حركية لفرز الكوادر.

1952

فى يوليو من العام ١٩٥٢، سيطاح بالملك فاروق ويتولى تنظيم الضباط الأحرار دفة البلاد، وبصورة ما ووسط مجلس قيادة الثورة الذى يضم طيفاً سياسياً شديد التباين من اليمين إلى اليسار، سيجد سيد قطب لنفسه موطئ قدم، وبدعم مباشر من القائد الفعلى للتنظيم.. جمال عبدالناصر.. سيخوض قطب معارك مجلس قيادة الثورة المبكرة.. سيشجع إعدام العاملين خميس والبقرى.. وسيؤيد التنكيل بالشيوعيين، قبل أن يرى أن عبدالناصر لن يعطيه الذى يريد!

فوراً، سيتجه قطب لطرف النقيض.. أبرز خصوم ناصر.. الإخوان المسلمين!

يعبر القرضاوى فى مذكراته أن التيار الإسلامى استقبل التحاق قطب على أنه ضرب من «العدالة القدرية» التى عوضت الإخوان بقطب بعدما غادر صفوفها إلى غير رجعة الكاتب والمفكر «خالد محمد خالد».. وكأن خالد محمد خالد بمغادرته للإخوان غادر الإسلام! وكأن كتابات خالد الإسلامية التى بقيت وحظيت بالانتشار والتبجيل جيلاً بعد جيل ليست مسوغاً لاعتبار خالد إسلامياً بما يكفى فى نظر العمامة الأكبر فى جماعة الإخوان.. يوسف القرضاوى.

1953

لقد لعب نص إهدائه لكتاب العدالة الاجتماعية فى الإسلام الصادر عام ١٩٤٩، دوراً بارزاً فى التهيئة لمثل هذه اللحظة التى قوبلت باحتفال جارف، فقد قال فى إهدائه ««الفتية الذين ألمحهم فى خيالى قادمين يردون هذا الدين جديداً كما بدأ، يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويُقتلون».. وهو ما اعتبره شباب الإخوان إشارة لهم، فى معنى إن لم يقصده قطب بحرفيته، فقد مضت به مفارقات الزمن أو لعلها كيمياء التفاعل الحتمى بين نفسه الجريحة ونفوسهم المكلومة آنذاك.. والاحتياج المتبادل بين مهزومين.

1954

وعلى خلفية محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فى حادث المنشية عام ١٩٥٤، تم سجن سيد قطب بتهمة كتابة منشورات الإخوان المعادية للثورة والمحرضة ضد مجلس قيادتها.. لتبدأ نحو عشر سنوات من السجن، ستشهد التبلور الأخطر والحيدة الأكبر فى مسيرة الرجل.. فى المحبس ستتسرب إلى الخارج مسودات كتبه الأبرز «الظلال» و«المعالم».. ومن مستشفى السجن ستقوم شقيقتاه حميدة وأمينة بتوصيل هذه الفصول للسيدة ذات الأدوار الفاعلة فى الجماعة زينب الغزالى.. ومنها للمرشد حسن الهضيبى.. ثم ستشق طريقها لصفوف التنظيم.

1959

وبينما كانت أفكار قطب تتوحش بدءاً من العام ١٩٥٩، ماج شباب إخوان ما خارج السجون فى محاولات سرية مستميتة لإحياء التنظيم السرى وحمل السلاح ومعاودة اغتيال الخصوم.. وبموجب فراغ معنوى ضخم نجم عن خفوت شخصية المرشد حسن الهضيبى وتحفظه البالغ وطبعه الجاف، ذهب مزاج هؤلاء الشباب إلى تنصيب سيد قطب مرشداً روحياً لهم، وإن كان من بعد استئذان المرشد الرسمى استئذاناً شرفياً صورياً.. ومضت الخطة باتفاق الجميع، وبوساطة كبرى قام بها عبدالفتاح إسماعيل تحركه وتعاونه السيدة التى ستلعب الدور الأكبر فيما بعد.. زينب الغزالى.

1960

حين بلغت أفكار المسودات الأولى لكتب سيد قطب، الفصيل الأقل تشدداً داخل جماعة الإخوان، قوبل بفزع شديد. فمقولات كتابه الأشهر «معالم فى الطريق» بمثابة متاهة من التكفير المترامى الأطراف الذى يتهم الناس بالجاهلية والكفر، ليس فى عصر سيد قطب فحسب، بل ولقرون مضت بأثر رجعى! قيادات تاريخية فى صفوف الجماعة مثل فريد عبدالخالق ومنير الدلة وصلاح شادى وآخرين، أدركت أن أفكار قطب التى سرى الهمس بشأن تحلق شباب مسلح حولها، هى الهاوية التى ترتقب الجماعة عما قليل.

1964

يخرج سيد قطب من محبسه فى نهاية العام ١٩٦٤ وقد تبدل تماماً، وفى أثره رفيق سنوات السجن محمد يوسف هواش، نديم الليالى الطويلة فى الحبس والمشفى، والرجل الذى حاوره كثيراً حتى انتهى قطب إلى ما انتهى إليه، وعززه فى نفسه هواش، متضامناً ومقتنعاً وشريكاً خليلاً.

1965

فى الخارج ينتظره عبدالفتاح إسماعيل، مسئول الماليات والإداريات والتجنيد، وعلى عشماوى، الدينامو الحركى، الذى يفعل كل شىء، وأحمد عبدالمجيد، رئيس مخابرات التنظيم والمسئول عن جمع المعلومات له ورفع التقارير لقاداته.. ومعهم زينب الغزالى بكل أدوارها المشبوهة وعلاقاتها بالسفارات الأجنبية التى لن يسع حسن الهضيبى إلا أن يفصح عنها أثناء التحقيق معه!


مواضيع متعلقة