"الوطن" على خشبة مسرح بني سويف في ذكرى "المحرقة".. هنا نفض الفن عن نفسه الرماد

كتب: عبدالرحمن قناوي

"الوطن" على خشبة مسرح بني سويف في ذكرى "المحرقة".. هنا نفض الفن عن نفسه الرماد

"الوطن" على خشبة مسرح بني سويف في ذكرى "المحرقة".. هنا نفض الفن عن نفسه الرماد

لافتة صغيرة معلقة على يسار مدخل قصر ثقافة بني سويف، قبل الصعود نحو المسرح الكبير، تقع فوق باب زجاجي مكتوب عليها "قاعة المعارض".. تلك القاعة التي شهدت منذ 14 عامًا أودى بحياة 50 مثقفا وفنانا، وأصاب 23 آخرين بإصابات وصلت إلى حد إحداث عاهات مستديمة بكثير منهم.

ربما يشعر من يتجول في المكان أن شيئًا لم يحدث هنا، وأن تلك القاعة لم تكن يومًا ما مليئة بالرماد المختلط بدماء وبقايا أجساد من احترقوا داخلها، فاللوحات المعلقة على الحوائط، والمشغولات الفنية واليدوية التي تملأ أرضيتها وتتراص في جوانبها، تؤكد أن الفن لا يموت حتى لو احترق، فالنيران لم تحرق الموهبة والإبداع، بل زادتهما توهجًا وتألقًا ولمعانًا وبريقا.

هنا في قاعة المعارض التابعة لقصر ثقافة بني سويف، تسترجع السيدة ماجدة حلمي، مسؤولة التمكين الثقافي لذوي الاحتياجات الخاصة بفرع ثقافة بني سويف، والمشرفة على القاعة منذ سنوات عديدة، ذكريات يوم 5 سبتمبر 2005، حين قرر القائمون على مهرجان المسرح تجربة ما يسمى بـ "المسرح المغلق" وإقامة عرضا مسرحيا داخل القاعة التي كانت تحمل اسم "قاعة الفنون التشكيلية" حينها، عوضًا عن المسرح الكبير داخل القصر.

مسئولة القاعة في يوم الحريق: المخرج عمل ديكور من الشكاير وورق الجرايد على شكل مغارة وكأنهم بيبنوا تربة من الأول

بنظرات يبدو أنها سافرت خلالها للماضي 14 عامًا، أشارت السيدة الأربعينية، التي سلمت القاعة يومها لمسؤولي العرض المسرحي "من منّا"، نحو الباب الزجاجي للقاعة قائلةً: "الباب ده كان خشب ومخرج العرض قرر يعمل في المنطقة اللي وراه دي المسرح بتاعه والكواليس كمان واستخدم شكاير أسمنت كتير وورق جرايد عشان يعمل ديكور العرض اللي كان زي مغارة أو كهف كده"، تواصل بتنهيدة حزينة: "كأنهم كانوا عاملين تربة من الأول".

وبطريقةٍ تكشف أنها لم تنس ملامح القاعة القديمة التي تغير شكلها تمامًا، وصفت السيدة حالها حينها، حيث أماكن التكييفات الثلاثة التي كانت موجودة في القاعة في ذلك الوقت، والأبواب القديمة للقاعة ومخارجها، التي لم تعد كما كانت عقب انتهاء العرض، "العرض كان المخرج مستخدم فيه 150 شمعة، وهم بيلموا الشكاير والورق بتوع الكهف في الآخر، شمعة وقعت والنار مسكت في كل حاجة، الورق والستاير والباب الخشب ووصلت للتكييفات اللي زودت الحريق، وحصلت الكارثة".

العرض المسرحي الوحيد الذي شهدته قاعة الفنون التشكيلية بقصر ثقافة بني سويف انتهى بشكل كارثي، أودي بحياة العشرات وأصاب الآخرين، لتغلق القاعة فترة طويلة من الزمن لا تتذكرها "ماجدة"، إلا أنها تستمر في ممارسة نشاطاتها المختلفة من خلال بيوت الثقافة المنتشرة في المحافظة، قبل أن تعود القاعة للعمل بعد تجديدها، وتبدأ التعافي شيئًا فشيئًا، رغم الكارثة التي شهدتها.

مسؤولة تمكين ذوي الإعاقة بفرع الثقافة: القاعة تحولت لمنارة للفنانين التشكيليين ومواهب ذوي الاحتياجات الخاصة 

"من ساعة العرض المشؤوم ومتعملش أي عرض تاني في القاعة" بتلك الكلمات عبرت السيدة عن انتهاء تلك التجربة المسرحية في القاعة المغلقة للأبد، حيث أصبحت بعدها منبرًا للفنانين التشكيليين، الذين يقيمون ورشًا فنية بداخلها ومحاضرات لمحبي الفن التشكيلي والموهوبين لإتقانه، وأنشئت إدارة تمكين ذوي الإعاقة منذ حوالي 5 سنوات، لتصبح القاعة كذلك ناطقًا بالحياة من أعمالهم ومواهبهم.

ومن رحلة الـ14 عامًا في أعماق الماضي، عادت السيدة إلى الحاضر، لتشرح الوضع الحالي للقاعة التي تضم معرضًا مختلطًا للفنون التشكيلية، والمنتجات اليدوية لذوي الإعاقة، افتتحته الدكتورة إيناس عبدالدايم وزيرة الثقافة، فتقول وهي تشير إلى الجزء الواقع على يمين الباب الزجاجي فور الدخول منه: "الجزء ده خاص بالفنون التشكيلية فيه أعمال رواد بيترددوا على القاعة دايمًا، ويعملوا ورش عمل هنا ويطلعوا بمنتجاتهم".

باقي أجزاء القاعة كانت مليئة بأعمال ذوي الاحتياجات الخاصة من الخزف والسجاد والمشغولات اليدوية، التي تعمل السيدة على الوصول لهم في مدارسهم ومؤسساتهم ومساعدتهم على تنفيذ تلك المنتجات، تتابع: "باخد المواد الخام وبروح للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة المدارس والمؤسسات الخاصة بيهم، زي: الفكرية والنور والأمل وأخليهم يشتغلوا هناك عشان مكلفهمش مواصلات"، لتخرج منتجاتهم التي تشع حياة إلى النور من خلال تلك القاعة، التي نفض فيها الفن الرماد عنه وقام منتصرا.

خارج القاعة التي شهدت الكارثة، يجلس بعض العاملين بقصر الثقافة، ويسترجع أحدهم ذكريات ذلك اليوم الذي لم ولن تُمحي مشاهده من رأسه: "كنا قاعدين قدام المسرح الكبير واتفاجئنا بهرج ومرج جاي من قاعة الفنون التشكيلية اللي كان فيها الحريق"، لتتوالى المشاهد بعدها تباعًا أمام أعين الرجل الذي شارف على بلوغ سن المعاش، بدءً من النيران المشتعلة وصولًا إلى نقل المصابين ومحاولة إنقاذهم.

عامل بقصر الثقافة: لقينا الناس طالعة من القاعة والنار ماسكة فيهم وبيحاولوا يطفوا نفسهم

يوم 5 سبتمبر بالنسبة لموظف قصر الثقافة، الستيني، لا يحمل سوى مشاهد النيران المشتعلة والجثث المتفحمة وعربات المطافئ والإسعاف، "لقينا ناس طالعة من القاعة بتجري والنار ماسكة فيها، وناس بتتدافع وعاوزة تهرب وبدأنا نحاول ننقذ الناس وننقلهم للمستشفى العام جنبنا، ناس وصلت للمستشفى جثث وناس تانية اتلحقت"، لتظل المشاهد عالقة ومحفورة في ذاكرة الرجل، وتمر أمام عينيه كشريط كلما تذكر اليوم المشؤوم.

كارثة انتهت بالحكم على رئيس هيئة قصور الثقافة السابق و7 موظفين آخرين بالحبس 10 سنوات مع الشغل، وكفالة 10 آلاف جنيه لكل منهم، قبل أن تبرئ المحكمة بعضهم وتخفف الحكم على البعض الآخر، وإلزام وزارة الثقافة بتعويض أسر الضحايا، واعتماد 5 سبتمبر من كل عام يوما لـ"المسرح المصري"، إحياءً لذكرى شهداء المحرقة وتخليدًا لهم في قلوب وعقول وذاكرة كل محبي المسرح والفن والثقافة.

وبينما تمتلئ قاعة الحريق باللوحات الفنية ومنتجات ذوي الإعاقة من الخزف والسجاد والمشغولات الفنية، يمتلئ مسرح قصر ثقافة بني سويف بالفنون منذ الباب الذي تؤدي فرقة النون الشعبية بروفاتها أمامه، مرورًا بفرقة الموسيقى العربية التي تتمرن فوق خشبة المسرح، انتهاءً بالفرقة القومية للمسرح التي تؤدي بروفاتها في كواليس المسرح، وكأنها مظاهرة فنية من الصوت والصورة والحركة، تتحد جميعها لإحياء ذكرى شهداء المحرقة، وتثبت أن الفن لا يموت بالنيران، ويتحول لماردٍ عملاق ينهض من تحت الرماد مستكملًا مسيرته.


مواضيع متعلقة