أهالى عشش «أبوالسعود» ينتقلون إلى الأسمرات الدنيا لما تضحك

أهالى عشش «أبوالسعود» ينتقلون إلى الأسمرات الدنيا لما تضحك
- أعمدة خرسانية
- الأكياس البلاستيكية
- الروائح الكريهة
- المخلفات الصلبة
- الأسمرات 3
- المدابغ
- العشوائيات
- أهالي عشش أبو السعود
- عشش أبو السعود
- مجري العيون
- أعمدة خرسانية
- الأكياس البلاستيكية
- الروائح الكريهة
- المخلفات الصلبة
- الأسمرات 3
- المدابغ
- العشوائيات
- أهالي عشش أبو السعود
- عشش أبو السعود
- مجري العيون
قبل عدة أشهر كانت محافظة القاهرة قد أعلنت البدء فى تنفيذ مشروع تطوير منطقة مجرى العيون وإزالة جميع العشوائيات القريبة منه، تمهيداً لتحويلها إلى منطقة سياحية، جاء ذلك تزامناً مع نقل المدابغ إلى منطقة الروبيكى بمدينة بدر الصناعية، مع توفير كافة سبل الراحة للعمال، وذلك من خلال تخصيص عدة أوتوبيسات نقل عام للتيسير على عمال المدابغ، على أن يتم نقلهم على فترات متلاحقة، وكانت تلك الأسر قد عانت فى الفترات السابقة من تدنٍّ فى الأوضاع المعيشية وطالبوا كثيراً بنقلهم، وما إن جاء قرار النقل حتى أيقنت تلك الأسر بأن الدولة قد أولتهم اهتمامها، الأمر الذى انعكس على مدى قبولهم بقرار نقلهم من الأماكن التى عاشوا فيها سنين طويلة. «الوطن» تجولت بمنطقة سور مجرى العيون للوقوف على آخر المستجدات وما آلت إليه الأمور، ورصدت استمرار أعمال هدم وتسكين الأسر المتضررة فى مدينة الأسمرات ٣ والواقعة بمنطقة المقطم، حيث انتشرت الملاعب الخضراء، والعمارات الأنيقة إلى استقبلت السكان للإقامة فيها، داخل شقق مجهزة من «الإبرة» لـ«الصاروخ»، ما مثّل نقلة غير عادية لأهالى العشوائيات، عبَّروا عنها بسعادة بالغة، موجهين الشكر لكل مسئول بذل مجهوداً فى سبيل نقلهم من أكشاك أبوالسعود والمدابغ إلى منطقة الأسمرات.. من ضيق العشش وخطورتها.. إلى رحابة السكن فى شقة بحمام ومطبخ منفصلين، الأمر الذى سينعكس على شكل حياتهم فى المستقبل، فى خطوة جديدة تخطوها الدولة للتخلص من العشوائيات بشكل كامل، وتوفير حياة كريمة لقاطنى المناطق الأكثر فقراً والتخلص من شبح المناطق غير الآمنة.
«مجرى العيون».. المدابغ والعشوائيات تنتظر تحويلها إلى «منطقة سياحية»
لم يكن على محمد، 48 عاماً، صاحب مدبغة، بسور مجرى العيون، يعلم أنه لن يتمكن من مغادرة منطقة المدابغ بمصر القديمة والذهاب برفقة أصدقاء مهنته إلى الروبيكى، فقد تأخر الأربعينى كثيراً فى تجهيز أوراق ملكيته لمدبغته الصغيرة، والمجاورة لسور مجرى العيون مباشرة، مما أعاقه وأجل رحيله
إلى المرحلة الأخيرة التى سيتم من خلالها نقل كل المدابغ المتبقية إلى مدينة بدر، تمهيداً لتحويل السور إلى منطقة سياحية، فى محاولة لعودة مصر القديمة إلى ما كانت عليه سابقاً.
«على»: «عايز أمشى النهارده قبل بكرة وأعيّش عيالى فى مكان أحسن».. و«آدم»: «سمعت إن اللى راحوا الأسمرات عايشين عيشة ملوك»
أمام مدبغته الصغيرة، التى تبلغ مساحتها ١٠٠ متر فقط، جلس «على»، بملابس بالية متسخة، مرتدياً فى قدمه حذاء ملفوفاً ببعض الأكياس البلاستيكية حتى يحميها من المواد المستخدمة فى دباغة الجلود والتى تشبعت بها أرض المدبغة الخاصة به، يتأمل ما يحدث حوله، فالمنطقة تتغير والجميع يرحلون، ومن تبقى عددهم قليل، ولم تعد المنطقة كسابق عهدها، فآثار الهدم ملأت الشوارع، ومظاهر التجديد قد طرأت عليها، والناظر من بعيد قد يرى بريقاً من الأمل ممزوجاً مع شعاع من النور، فتغيرت المنطقة التى كانت مليئة ببقايا الجلود المتعفنة وكانت تنشر الروائح الكريهة فى المكان، متسببة فى اختناق كل غريب يشمها، يقول «على»: «عايز أمشى النهارده قبل بكرة، عايز أعيّش عيالى فى مكان أحسن، الناس كلها عرفت إن المدابغ اتنقلت للروبيكى، ومبقاش حد بيجى يشترى أى حاجة من هنا، وأنا كنت بعتمد على شغل المدابغ وده اللى كان مخلينى أستحمل القرف اللى كنت بشوفه كل يوم أنا والعيال». أزمة «على» ليست وليدة ليلة وضحاها وإنما منذ بداية حصر مدابغ السور، حيث تم ترقيم المدابغ بأرقام تصاعدية بحسب قوله، على أن يتم الهدم وفقاً لترتيب تلك الأرقام: «فى شهر يناير اللى فات بدأ الحى فى الحصر، وطلبوا إثبات ملكية للمدبغة، فأنا اتأخرت وملحقتش أخلص ورقى قبل ميعاد المرحلة الأولى من النقل، وخلصت ورقى بقالى ٣ شهور دلوقتى وعايز أروح الروبيكى يمكن الرزق يزيد».
لم تقف معاناة «على» عند هذا الحد وإنما وصلت إلى مبيته وسط الجلود المتعفنة كى يحمى مدبغته من اللصوص: «المنطقة معظم المدابغ اللى فيها اتشالت لكن لسه آثار الهدد موجودة ودى ارتفاعها عالى، وده بيخلى الحرامية يطلعوا فوق التلال دى ويدخلوا عندى يسرقونى، فقلت أبات فيها وخلاص، لحد ما ربنا يكرم وأمشى، مهو أنا مش حمل إن عدتى تتسرق».
بالقرب من مدبغة الأربعينى كانت هناك تلال من المخلفات الصلبة تملأ الشارع الرئيسى، وتعيق حركة التنقل بين المدابغ، على أحد تلك التلال وقفت مجموعة من العمال، ينحتون الصخور بحثاً عن قطع حديد متبقية من الشركة المنفذة للمشروع، بالإضافة إلى تكسير ما تبقى من أعمدة خرسانية، تمهيداً لنقل تلك الأحجار ومخلفات الهدم لتحويل تلك المساحة الشاسعة إلى منطقة سياحية.
التجول فى منطقة المدابغ الآن لم يكن سهلاً، الطرقات مهدمة والمياه تنتشر فى جميع الأرجاء، جلود الحيوانات ملقاة ومتعفنة أمام المدابغ المهدومة، الجميع رحلوا وغادروا، يميناً يقع سور مجرى العيون السور التاريخى للقاهرة القديمة، ويساراً أنقاض وبقايا مدابغ محطمة، وسط تلك المشاهد التى تخلو من وجود زبائن فى المنطقة بأكملها، ظهرت عربة كارو محملة ببعض جلود الجاموس ذات الأوزان الثقيلة والأحجام الضخمة، وقفت أمام أحد المخازن الذى يجلس أمامه عدد كبير من العمال على مفارش بلاستيكية وأكوام من مواد الدباغة وحفظ الجلود، والتى وضعها صاحب المخزن أمامه حتى لا يزدحم المخزن الأوحد بالمنطقة، وبدأ عمال فى إنزال الجلود بصعوبة بالغة نظراً لوزنها الذى بدا كبيراً، بعد الإنزال قام العمال بإدخال الجلود داخل غرفة تنخفض عن مستوى سطح الأرض بقليل، مليئة بالمياه والتى لا يستطيع أحد الدخول إليها إلا وهو يرتدى حذاءً مخصصاً للتعامل فى مثل تلك الظروف، وبعد ذلك تم تنظيف الجلود ووضع المواد الحافظة عليها والتى تشبه ملح الطعام، ثم تجميعها وتركها فوق أحد الدواليب الخشبية المخصصة لها.
يقول أحمد ياسر، ٣٩ سنة، صاحب المخزن، إنه يتمنى إنهاء أوراقه المتأخرة سريعاً حتى يتمكن من مواكبة التطور واللحاق بمن سبقوه من أرباب مهنته إلى الروبيكى: «المشروع حلو جداً وعلى عكس ما كان بيتقال إنه هيقضى على صناعة الجلود، لا ده اتضح إن فيه اهتمام من الدولة بتطوير الصنعة وإدخال التكنولوجيا فى المدابغ وده هيوفر علينا الوقت والفلوس».
يقول حسين آدم، ٥٦ سنة، من سكان المنطقة «مش عارف ليه أنا موجود لحد دلوقتى أنا وعيالى التلاتة بعيالهم، سمعت إن الناس فى الأسمرات عايشة حياة ملوك، وعايز أبقى زيهم»، مشيراً إلى أنه رفض الذهاب إلى بدر نظراً لصعوبة الوصول إليها: «أنا راجل عجوز كبرت بقى خلاص، مبقاش عندى قدرة إنى أروح بدر، فقالوا خلاص خليك زى مانت لحد مانشوف لك حل أو نديك تعويض وممكن تروح الأسمرات، ويا رب يودونى الأسمرات».
أمام منزل صغير مكون من طابقين، الثانى منهما مهدوم والأول يقف على استحياء يكاد أن يسقط، وقفت عجوز ستينية، تشكو ما حدث لها: «اسمى فوزية إبراهيم، من سكان المنطقة، ساكنة هنا بقالى ٢٠ سنة، لجنة الحصر، جات وقالت لى إنى مستحقة وقالوا لى إنهم هيهدوا البيت وبعد كده هستلم الجواب بتاعى وأروح الأسمرات». تشكو السيدة من الأوضاع السيئة التى كانت تعيشها فى المنطقة: «دخلوا عليّا شباب فى يوم وكانوا عايزين يغتصبوا بنتى، فصرخت ولميت الجيران، وربنا سترها معانا»، وتتابع: «مليش غير ربنا، ومش عايزة غير الستر، وكلها أسبوع وأرتاح من كل ده وأروح الأسمرات، أعيش شوية فى مكان نضيف قبل ما أموت»
الشوارع القريبة من السور مليئة ببقايا الهدم، والتى يصل ارتفاعها فى الشوارع إلى ما يزيد على المترين، وطريقة الإزالة التى تتبعها الشركة المنفذة للمشروع بحسب المشاهد الموجودة فى المناطق المتاخمة للسور، تعتمد على تفريغ أجزاء من الأسقف، حتى لا تصلح للسكن، ولكن هذا الأمر لا يمنع السكان من العيش تحت الأنقاض حتى تسلم الشقق.
منطقة المدابغ بمصر القديمة
أقرا إيضا
«الأسمرات ٣».. الحياة على «وش الدنيا».. والسكان: «بعد العشش بقينا فى عمارات»