«الأسمرات ٣».. الحياة على «وش الدنيا».. والسكان: «بعد العشش بقينا فى عمارات»

كتب: أحمد ماهر أبوالنصر

«الأسمرات ٣».. الحياة على «وش الدنيا».. والسكان: «بعد العشش بقينا فى عمارات»

«الأسمرات ٣».. الحياة على «وش الدنيا».. والسكان: «بعد العشش بقينا فى عمارات»

أسوار عالية مزخرفة ومزينة بألوان زاهية تحيط بعدد كبير من العقارات التى يبلغ ارتفاعها ١٠ أمتار لكل وحدة سكنية، كمين أمنى وتفتيش دقيق لا يسمح بدخول الغرباء ما لم يكن لهم مطلب بالداخل أو أقارب يسعون لزيارتهم، هكذا بدا المشهد فى واحد من المشروعات القومية تسعى من خلاله الدولة إلى القضاء على العشوائيات وتسكين قاطنى المناطق غير الآمنة فى أماكن تضمن لهم الحياة الكريمة، والتى تسعى إليها الدولة من خلال المشروعات الأخيرة.

«حسين»: «أنا حاسس إنى بقيت ملك.. بعد الزبالة بقيت فى نضافة».. و«هويدا»: «مش مصدقة إنى بقى عندى شقة فيها مطبخ وحمام بعد ما كانوا فى نفس الأوضة»

شارع طويل وممتد يبدأ من منطقة الخزان المتفرع من شارع ٩ بمنطقة المقطم، وينتهى بأحد أكشاك «أمان» التابعة لوزارة الداخلية، والذى يخدم سكان منطقة الأسمرات لوقوعه أمام البوابة الرئيسية للمدينة، للدخول إليها يجب المرور من البوابة الوحيدة المخصصة للمارة والتى يشرف عليها ضباط من وزارة الداخلية. بعد تخطى تلك البوابة، تظهر ملاعب خضراء تنتشر بامتداد الطريق مفتوحة للجميع ليس لها أسوار تعيق الدخول إليها، أمام أحد الملاعب الكبيرة، كانت مدرسة المدينة بارزة للعيان وأعلاها لافتة مدون عليها باللون الأحمر «تحيا مصر». بعد الملاعب كان هناك النادى المخصص للسكان باشتراك مجانى كما أكد لنا البعض، كما أن المسجد والكنيسة قيد الإنشاء حتى يتمكن الجميع من أداء شعائرهم الدينية، بين كل وحدة سكنية وأخرى كانت هناك مسافة فاصلة تصل إلى ٨ أمتار، تلك الفواصل مضاءة بالمصابيح على الأعمدة الكثيرة المنتشرة فى كل مكان بالمدينة، والبلاط الذى يزينها. بالقرب من أحد العقارات وقف عدد من الشباب يلهون ويتسامرون، وبجوارهم المساحات الخضراء التى تزين المدينة بامتدادها، أمام أحد عقارات «الأسمرات ٣» جلس رجل ستينى على كرسى خشبى بملابس ريفية أمام المدخل، ينظر حوله متعجباً ويقول: «لحد دلوقتى مش مصدق نفسى إنى فى المكان ده، بقى من بعد العشة، أسكن فى مكان بالشكل ده، ده أنا حاسس إنى بقيت ملك، من بعد الزبالة بقيت فى نضافة»، قالها محمد حسين، ٦٣ سنة، أحد سكان أكشاك أبوالسعود، والذى انتقل للعيش فى منطقة «الأسمرات ٣»: «بقالى يومين هنا وحاسس إنى فى الجنة، النضافة حلوة مفيش كلام، كل ما أبص حواليا أقول لنفسى فعلاً ربنا لطيف رحيم، لأنى كنت بدعى كتير إن ربنا يرحمنى أنا وعيالى من قرف العشة اللى كنت فيها، وفعلاً ربنا استجاب دعوتى».

والأطفال داخل الغرفة الخاصة بهم

داخل «شقة ٤٥» الواقعة فى الطابق الرابع بالعقار رقم ١٦ والمخصص لسكان أكشاك أبوالسعود بـ«الأسمرات ٣»، جلست هويدا السيد، 40 سنة، وحولها أبناؤها الأربعة على أحد الكراسى القيمة وبجوارهم الورود والدباديب وبعض الهدايا: «مش مصدقة نفسى لحد دلوقتى، معقول بقيت فى شقة بالنضافة دى، ده كان الحمام والمطبخ فى نفس الأوضة اللى كنا قاعدين فيها فى أبوالسعود». مؤكدة أنها عانت كثيراً فى شقتها القديمة وأنها تمنت أن تغادر أكشاك أبوالسعود، ولكن لضيق الحال لم تتمكن من ذلك: «كنت بنام وأنا خايفة، وفى الشتا الميّه كانت بتنزل علينا، كنا بنموت من البرد، وفى الصيف بنهرب منها وكنا بتقعد فى الجناين».

قررت الأربعينية أن تعد لنا مشروباً، دخلت المطبخ المجهز بجميع المستلزمات بداية من ملعقة الطعام مروراً بالأوانى حتى الثلاجة: «لما حد كان بيزورنى زمان كنت ببقى مكسوفة وأنا قاعدة قدامه وبعمل له حاجة يشربها جنب منه، إنما دلوقتى بدخل المطبخ اللى ماكنتش أحلم بيه»، وتتابع: «بقدر أغسل الكوبايات براحتى، بعد ماكنت بجيب ميّه من حنفية فى الشارع، بحمّى كل شوية العيال وبنضفهم، ودلوقتى صحتهم جات على النضافة»، أحست هويدا السيد بحرارة الأجواء، فقررت تشغيل المروحة التى وجدتها ضمن الأجهزة التى تسلمتها الأسرة داخل الشقة: «المروحة نفسها أخدناها مع الشقة مع إننا مش محتاجينها قوى لأن الزرع الأخضر مخلى الدنيا جنة هنا». ويقول محمد حمدان، ١٦ سنة، الابن الأكبر فى الأسرة التى كانت تعيش فى ١٥٨ بمنطقة أكشاك أبوالسعود، إنه تمنى كثيراً تغيير إقامته حتى تتلاءم مع أصدقائه الذين يسكنون فى أماكن أخرى آمنة وغير عشوائية: «كان نفسى يبقى عندى شقة كويسة أتباهى بيها قدام أصحابى، والحمد لله بقيت فى مكان أى حد يفتخر إنه ساكن فيه، وكمان بقى ليا أصحاب كويسين، والأمن هنا كويس جداً، الواحد بيمشى براحته ومش خايف يتثبت».الشقة مجهزة تجهيزاً متكاملاً بداية من السجاد حتى الستائر، طلاء الجدران دقيق ومتميز يشعر الأعين بارتياح جرّاء النظر إليه، ويؤكد أنه لم يكن طلاء عشوائياً، بل تمت الاستعانة بأمهر الصنايعية كما يشير محمود فؤاد، الذى كان يعمل نقاشاً: «أنا صنايعى وأفهم فى الشغل ده كويس، الناس هنا كانت مركّزة إنها تطلّع شغل متميز، مش أى شغل وخلاص زى ماكان بيحصل قبل كده فى كل المشروعات القومية، لأنهم كانوا بيجيبوا صنايعية على قدهم وده كان بيسبب كوارث بعد كده». رحلة فؤاد بدأت من مصر القديمة بعد أن قرر ترك بلدته فى سوهاج والاستقرار فى القاهرة منذ ٣٠ عاماً، عانى خلالها من أوضاع معيشية متدنية، حتى كُتب له طوق نجاة هو وأسرته، وتحولت حياته من حياة عشوائية إلى حياة آمنة ومستقرة: «بشكر كل واحد فكر فينا وفى مستقبلنا وعيالنا من أول رئيس الجمهورية لحد أصغر موظف فى الحى، إحنا كنا تحت الصفر ودلوقتى بقينا زى أغنى الأغنياء»


مواضيع متعلقة