زراعة الزيتون.. «قصة نجاح» رغم الصعاب فى «واحة المنايف»

زراعة الزيتون.. «قصة نجاح» رغم الصعاب فى «واحة المنايف»
- أدنى مستوياته
- أشجار الزيتون
- ارتفاع تكاليف
- استراتيجية التنمية المستدامة
- الأولى بالرعاية
- الاستفادة القصوى
- الربيع العربى
- آبار
- أخيرة
- أدنى مستوياته
- أشجار الزيتون
- ارتفاع تكاليف
- استراتيجية التنمية المستدامة
- الأولى بالرعاية
- الاستفادة القصوى
- الربيع العربى
- آبار
- أخيرة
قبل 33 عاماً قرر المهندس محمد الخولى أن يترك عمله فى مجال البترول، ليزرع الزيتون، اشترى قطعة أرض، كانت وقتها صحراء جرداء، وأخذ يعمرها، ويزيد مساحتها شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت الآن مزرعة كبيرة مساحتها 95 فداناً، ثم ألحق بها «معصرة»، يُصدر إنتاجها من زيت الزيتون الآن إلى أمريكا وأستراليا واليابان والكويت.
على يمين وشمال الطريق الداخل للمزرعة، الواقعة على طريق «جبل عُبيد»، بـ«واحة المنايف»، جنوب شرق مدينة الإسماعيلية، تقف أشجار الزيتون بشموخ تتحدى قسوة الصحراء وشُح المياه، مؤكدة ما يُجمع عليه المتخصصون من أن هذه الشجرة أصبحت «أمل مصر»، التى تعانى من فقر مائى، وفجوة ضخمة بين ما تُنتجه وتستورده من زيوت، ويرزح أهلها تحت وطأة أمراض شتى يمكن لهذه «الشجرة المباركة» علاجها.
بعد نحو ٥٠٠ متر من مدخل المزرعة، كان هناك «كرافان» بسيط، اتخذه «الخولى» بيتاً منذ جاء لهذه البقعة وبدأ كفاحه فيها من أجل زراعة الزيتون، حتى أصبح الآن خبيراً دولياً فى زراعته، ومستشاراً للحكومة الأسترالية فى هذا المجال، ورئيساً لما يعرف بـ«شبكة الزيتون الإقليمية»، التى تمتد من إيران إلى المغرب وتشمل تركيا وقبرص، وأصدر كتباً ودراسات بالإنجليزية عنه.
فى الداخل، أخذ «الخولى» يتحدث بحماس واضح عن آماله المبنية على أسس واقعية، فى أن يكون الزيتون المصدر الثانى للدخل القومى لمصر، بعد قناة السويس أو البترول، أو على الأقل أحد المصادر الرئيسية لدخلنا القومى، مستشهداً بدول أخرى، مثل تونس التى كان يشكل الزيتون المصدر الثانى لدخلها بعد السياحة، ثم أصبح المصدر الأول بعد انهيار السياحة عقب «ثورات الربيع العربى»، وبتعبير آخر أصبح «هوه اللى شايل البلد»، على حد تعبيره.
"الخولى": المحصول أنقذ تونس بعد الثورة وأصبح مصدر دخلها الأول بعد انهيار السياحة.. ويمكن أن يكون الثانى لمصر بعد البترول أو القناة
وأشار الخبير الدولى إلى المميزات البيئية التى تتمتع بها مصر، ومنها مياه الآبار ذات الملوحة المرتفعة أو المتوسطة فى معظمها، التى يتحملها الزيتون ويجود فيها، فضلاً عن عدد ساعات الضوء الذى يسطع عليها بمعدل 3400 ساعة سنوياً، مقارنة بـ2850 ساعة فى أوروبا، وهو ما يزيد نسبة التمثيل الضوئى ويؤدى لنمو الأشجار بها أسرع، بجانب قلة عدد الأمراض التى تصيب الزيتون، وعدم وجود أمراض فطرية أو بكتيرية فتاكة كأوروبا.
فى دراسة قدمها لرئاسة الجمهورية بعنوان «استراتيجية التنمية المستدامة لصناعة الزيتون فى مصر»، تحدث «الخولى» عن الفوائد الاقتصادية الكبيرة لشجرة الزيتون، التى يجب أن تجعلها على رأس قائمة الأشجار الأولى بالرعاية، وعلى رأسها استغلال مساحات الأراضى الشاسعة «الهامشية الضعيفة» كالأراضى الجيرية والملحية، التى لا تصلح إلا لزراعتها، فضلاً عن الحفاظ على موارد المياه، حيث تتراوح احتياجاتها المائية بين 2850 و3500م3 سنوياً للفدان، وهى أقل بكثير مثلاً من الأشجار الشرهة للمياه، مثل البرتقال الذى يستهلك من 7000 لـ9800م3 للفدان، فضلاً عن أن إيراداته التصديرية أعلى من غيره، كما أن أشجاره تعيش وتثمر لمئات السنين، والأهم مما سبق أنه يتيح خلق مجتمعات صناعية متكاملة، لأنه لا بد من تحويل ثماره إلى زيتون مائدة أو زيت زيتون من خلال الصناعات الغذائية التحويلية، مع ما يستلزمه ذلك من أنشطة تكميلية كصناعة الكارتون والعبوات المعدنية والزجاجية والبلاستيكية، والمطبوعات، وخزانات حفظ الزيت، وخطوط التعبئة، بالإضافة للخدمات المغذية للقطاع الزراعى من مشاتل وشركات للأسمدة ومواد شبكات الرى ومعدات الحصاد، وهو يشير هنا إلى أن استخراج زيت الزيتون يتم عبر تقنية بسيطة ومنخفضة التكلفة نسبياً، بعكس بقية أنواع الزيوت الأخرى التى تحتاج لتقنيات معقدة وتكلفة مرتفعة واستهلاك طاقة مرتفع، كما أن المخلفات الناتجة عن العصر المعروفة بـ«التفلة أو الكسبة» تدخل فى تركيب أعلاف الماشية بنسبة 6%، وتُخلط مع المخلفات النباتية والحيوانية لتصنيع السماد العضوى «الكومبست».
الخبير الدولى: احتياجاته المائية قليلة ويتحمل الملوحة.. وأشجاره تُثمر لمئات السنين ويخلق مجتمعات صناعية متكاملة
لكن على الرغم من فوائد زراعة الزيتون الجمة والظروف المواتية لزراعته فى مصر، التى بدأت منذ عهد المصريين القدماء، كما يشير «الخولى»، فإن المساحة المنزرعة بالزيتون فى مصر كانت حتى منتصف الثمانينات 7 آلاف فدان فقط، ثم تطورت بعدها شيئاً فشيئاً حتى وصلت الآن، بحسب إحصائيات وزارة الزراعة، لنحو 243 ألف فدان، لكن «الخولى» يعتقد هنا أنه لا يوجد تقدير دقيق لحقيقة الأراضى المزروعة بالزيتون بالفعل، التى يعتقد أنها قد تكون ضعف هذا الرقم على أقل تقدير، وهو يستند فى ذلك إلى أن الرقم الرسمى المعلن لا يتناسب مع تصدر مصر للمركز الثانى فى إنتاج زيتون المائدة لثمانى سنوات قبل 2017، وللمركز الأول عام 2017، فضلاً عن وجود مساحات شاسعة غير مقننة تم استصلاحها منذ 20 عاماً على الأقل، ولا تظهر فى الإحصاءات الرسمية.
لكن رغم ما طرأ من زيادات فى حجم الأراضى المزروعة بالزيتون خلال العقود القليلة الأخيرة، يتحدث «الخولى» عن أن «العشوائية» كانت السمة المميزة لهذه الزيادات، فى ظل عدم وجود رؤية واضحة للدولة فى هذا المجال، وغياب جهاز تثقيفى يرشد الناس للأصناف التى يجب زراعتها، وكيفية تحقيق الاستفادة القصوى من هذا المحصول.
الإحصاءات الرسمية تؤكد امتلاكنا 243 ألف فدان مزروعة بالشجر المبارك والمساحة الحقيقية لا تقل عن الضعف.. بسبب "أراضى وضع اليد"
على هذه الخلفية، كما يشير الخبير الدولى، تضخمت المساحات المزروعة بزيتون التخليل أو زيتون المائدة، الذى أصبحت هناك كميات رهيبة منه، على حساب أصناف الزيتون المخصصة لإنتاج الزيت، على عكس المعمول به عالمياً، حيث تشكل الأنواع المخصصة لاستخراج الزيت قرابة 93% من ثمار الزيتون، وهكذا أصبحنا «تحت مقصلة المستوردين» الذين باتوا يعرفون أن لدينا كميات كبيرة من زيتون التخليل، ولهم سماسرة يأتون لمصر خلال موسم الحصاد، ويفرضون أسعاراً متدنية، وهو الأمر الذى يفسر التناقض بين كوننا كنا الدولة الأولى فى تصدير زيتون التخليل 2017 فى الوقت الذى كنا فيه الدولة التاسعة من حيث الإيرادات، وذلك نتيجة لـ«مقصلة المستوردين»، ولجوئنا للتصدير بدون قيمة مضافة، أى فى براميل، تذهب للمستورد ليعبئها فى برطمانات ويكتب عليها إنتاج بلده، بدلاً من أن نقوم نحن بذلك ونكتب عليها «إنتاج مصر»، ولا يقتصر الأمر على زيتون التخليل فقط، إذ إن أصحاب معاصر الزيتون لدينا بدلاً من أن يعبئوا إنتاجهم فى زجاجات، ويخلقوا قيمة مضافة، فإنهم يضطرون تحت وطأة ملاحقة ارتفاع تكاليف شراء الزيتون لتصدير المنتج جملة فى «كونتنرات»، فى وقت تكون فيه الأسعار فى أوروبا فى أدنى مستوياتها، فى الوقت الذى يمكن فيه، إذا تم دعم هذه المعاصر من جانب الدولة، تخزين الزيت ثم تعبئته وبيعه فى الوقت الذى تصل فيه الأسعار لأعلى معدلاتها.