"صيد الشتاء".. "شقا ووقف حال" بسبب "النوات" العاصفة والأمواج العالية

"صيد الشتاء".. "شقا ووقف حال" بسبب "النوات" العاصفة والأمواج العالية
- النوة
- الصيادين
- الإسكندرية
- فصل الشتاء
- المدن الساحلية
- النوة
- الصيادين
- الإسكندرية
- فصل الشتاء
- المدن الساحلية
"توكلنا عليك يارب.. ارزقنا يا كريم"، جملة تخرج برجاء عظيم من أعماق صدور الصيادين، ووجوهم وأياديهم مرفوعة إلى السماء، يدعون الخالق لهدوء البحر، والعودة برزق وفير يعوضهم عن الأيام التى تم فيها منعهم من ركوب البحر، لممارسة مهنتهم التى لا يعرفون غيرها، بسبب شدة الرياح وارتفاع الأمواج، نتيجة النوات المتلاحقة، التى ضربت مدينة الإسكندرية وغيرها من المدن الساحلية على البحر المتوسط، خلال الفترة الأخيرة، مصحوبة بأجواء لم يعهدها الصيادون من قبل.
بكل همة ونشاط، يحزوهم الأمل فى تعويض ما فاتهم فى أيام "النوة"، يحملون مُعداتهم على المراكب، التى تتراوح أحجامها ما بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة، بعد أن قاموا بإجراء بعض التعديلات الخاصة بفصل الشتاء عليها، وإضافة طبقة سميكة من البلاستيك "المشمع" عليها، لتعزيز قدرتها على مواجهة توابع "النوة"، ومنع تسرب المياه إليها، لحمايتها من الغرق.
{long_qoute_1}
رصدت "الوطن" المعاناة التى يعيشها صيادو الإسكندرية بسبب النوات التى شهدتها المدينة هذا الشتاء، مصحوبة بعواصف شديدة ورياح عاتية، تسببت فى هياج البحر وارتفاع أمواجه إلى أكثر من 6 أمتار، كما تسببت فى إغلاق موانئ الإسكندرية والدخيلة، وتوقف حركة الملاحة البحرية لأكثر من 5 أيام، مما ترتب عليه وقف جميع أنشطة الصيد، وزيادة معاناة الصيادين، الذين يعتمدون على رزقهم من الصيد يوماً بعد يوم.
"الصيد في الشتا تعب، والحكومة صعبتها أكتر"، بهذه الكلمات بدأ "موسى عبدربه موسى"، 76 سنة، شيخ الصيادين فى منطقة "بحرى"، حديثه لـ"الوطن" عن معاناة الصيادين، مؤكداً أن المشكلة الكبرى فى الشتاء تكمن فى كثرة منع الصيد، إما بسبب سوء الأحوال الجوية، أو لأسباب أمنية، وتابع بقوله: "النوة بحرها عالى، وبيكون فيها عطلة ووقف حال، ولما الجو يتعدل يقولوا البحر ممنوع، طيب الناس تأكل منين؟"وأوضح أن مهنة الصيد أكثر من يعانى فيها هم الصيادون و"المراكبية" الصغار، الذين يمتلكون قوارب صغيرة، ويتعرضون لأضرار وخسائر كبيرة بسبب وقف الصيد، فضلاً عن المحاضر التى يتم تحريرها ضدهم، بسبب عدم تدوين أرقامهم في الدفاتر، أو أى مخالفات أخرى، قد يترتب عليها منعهم من الصيد لفترة من شهر إلى شهرين.
{long_qoute_2}
وأضاف "موسى" أنه فى المقابل، يقوم أصحاب المراكب الكبيرة، التى تصل قدراتها إلى 200 أو 300 حصان، بصياديهم وطاقم المراكبية الخاص بهم، بالإبحار قبل النوة بيوم أو اثنين إلى عرض البحر، وتستمر رحلتهم لفترة قد تصل إلى 30 يوماً، يبحرون خلالها فى مناطق قريبة من الحدود البحرية لبعض الدول الأخرى، الأمر الذى يتسبب لهم فى مشاكل احتجازهم من قبل سلطات تلك الدول، أو تعرض قاربهم للغرق نتيجة النوة، وإن غالبيتهم قد اكتسب خبرات كبيرة فى التعامل مع مثل هذه المواقف.
وأكد أن تعامل الصيادين مع الشتاء حالياً أصبح أسهل من ذى قبل، بسبب التكنولوجيا الحديثة فى المراكب، ووجود "الإنترنت" الذى يعلمهم بمواعيد النوات، بعد أن كانوا يعتمدون فى السابق على خبراتهم فقط فى التنبؤ بتلك الأحوال، مشيراً إلى أنه بالرغم من الصعوبات التى تواجه الصيادين فى الشتاء، إلا أنهم يحاولون التغلب عليها واستكمال عملهم، معتبراً أن فصل الربيع هو أفضل توقيت للصيد، بسبب دفء الجو، وكثرة الأسماك كبيرة الحجم، واختتم شيخ الصيادين حديثه بالمطالبة بفتح البحر أمام جميع المصريين، دون التقيد ببطاقة الصيد، نظراً لقلة العمل، وعدم توظيف الشباب، بالإضافة إلى "تسهيل الإجراءات رفقاً بأحوال الصيادين"، على حد قوله.
"الشتا رزقه كتير، بس الوقف أكتر، وكله على دماغ الصيادين الغلابة بس"، كلمات عبر بها "صلاح عبدالسلام"، 53 سنة، أحد الصيادين، عن معاناة الصيادين بسبب تعدد قرارات وقف أعمال الصيد خلال الفترة الأخيرة، وتحدث لـ"الوطن" قائلاً: "الصيد بيتمنع أيام النوات إجبارى، حتى لو مفيش منع إجبارى، دى نوات موت ومفيش حد يقدر يخاطر بحياته ويخرج للصيد"، وأضاف أن "الصياد رزقه يوم بيوم، وملناش مهنة غيرها"، واعتبر أن أفضل وقت للصيد فى الشتاء الذى يعقب النوة مباشرةً، حيث تهدأ الأمواج، ويكون الرزق وفيراً بسبب التقلبات الجوية، بالإضافة إلى توقف الصيد لعدة أيام.
وتابع "صلاح" بقوله: "احنا وضعنا مختلف عن الصيادين الهواة، لأننا لازم ندخل إلى عرض البحر، وكل واحد وحرفته اللى بيصطاد بيها"، مؤكداً أن أغلب الصيادين لا يملكون مراكب، وإنما تكون مملوكة لأصحاب العمل، وكلما زاد حجم المركب كلما زاد عدد البحارة عليها، ولفت إلى أن الصياد "الأرزقى" لا يقوم بتأجير مركب، فالتأجير خاص بمن يتخذونها هواية أو للتنزه، وتابع: "احنا مش بتوع نزهة، احنا بتوع الشقا والغلب وبس"، كما اعتبر أن "جو الصيف مريح، ونسمة الهوا فى البحر بتلطف سخونة حرارته، ويكون الصيد ممتعاً، على عكس التعب والشقا فى الشتاء"، وأضاف: "مفيش صياد دى مهنته إلا وهيختار الصيف طبعاً".
واشتكى "محمود حسين"، 47 سنة، صياد، من كثرة إغلاق البحر فى الشتاء، بقوله: "مش ملاحقين على منع البحر، بسبب مرور مراكب معينة، واللى قعدوا مانعين عنا الصيد بسببها 15 يوماً، أو منع البحر بسبب موسم النوات، اللى بيضيع أكثر من نص الشتاء"، وأضاف لـ"الوطن" أن "الرطوبة والأمطار تؤثر على صحة الصياد، واللى جاى على قد اللى رايح، وساعات اللى رايح بيكون أكتر"، مشيراً إلى أن "الصياد غير أى حد تانى، أى شغلانة بتكون عارف إن عندك سلعة بتبيعها وليها سعرها، إنما الصياد يدخل البحر وهو ورزقه، يا يطلع بحاجة يا ميطلعش، ولما بيصطاد ويجى يبيع، برضو مبيكونش لها سعر محدد، برضو أنت ورزقك على حسب التجار فى المزادات لم يشتروا الشروة على بعضها".
ومن جانبه، أكد رئيس الإدارة المركزية لشئون المنطقة الغربية التابعة للهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، المهندس أحمد حلمى، أن الثروة السمكية فى البحر المتوسط تعرضت لتدمير كبير، الأمر الذى ترتب عليه وقف إصدار بطاقات صيد جديدة، وذلك بسبب المخالفات التى يقوم بها بعض الصيادين، إما باستخدام غزل أضيق من المنصوص عليه فى المواصفات، فيقوم بحصد الزريعة مع السمك الكبير، منوهاً إلى أن كثيراً من الصيادين بدأوا يتجهون إلى الصيد خارج المياه الإقليمية، مما يترتب عليه تعرضهم للسجن، أو اطلاق النار عليهم.واستكمل "حلمى" بقوله: "احنا بنقول للصيادين ارحموا البحر، احنا بنعطى تعليمات بغلق البحر من شهر مارس حتى مايو من كل عام، لكنهم لا يتركون البحر، ويقومون بالصيد خلال تلك الشهور"، واعتبر أن شكوى الصيادين بأن "رزقهم يوم بيوم" لا تمت للواقع بصلة، حيث أن دخل الصياد الواحد، فى أيام الصيد يتراوح بين 5 و7 آلاف جنيه يومياً، وتابع متسائلاً: "مين فينا راتبه بيكون كدا فى اليوم، خليهم يحوشوا للأيام اللى مفيهاش صيد"، مشيراً إلى أن "جميع المزارعين يحتاجون إلى وقت لزراعة أراضيهم حتى يستطيعوا حصد محصولها، وهكذا مهنة الصيد، تتطلب ترك الزريعة فترة 3 شهور للنمو، حتى يستمر البحر فى عطائه لهم".
ولا يقف وضع الصيادين فى فصل الشتاء عند هذا الحد، بل يتعاظم دور بائعى أدوات الصيد، وصانعى الشباك، فمع ازدياد الرياح وارتفاع الأمواج، يحتاج الصياد إلى دعم وتقوية شباكه، وعلى الرغم من ارتفاع الأمواج على الشاطئ، وربط المراكب الصغيرة بالجدار الخرسانى، إلا أن انعكاسات التيارات الهوائية تحركها يميناً ويساراً، ومع ذلك يقبع الصيادون بداخلها، دون النظر لغضب الطبيعة بجانبهم، فكل ما يهمهم هو غزل الشباك بشكل صحيح وأقوى لمواجهة الرياح القوية وارتفاع الأمواج وحركتها السريعة، التى تتسبب فى تآكل الخيوط وتلفها، فتتسع فتحاتها، مما يؤدى إلى تسرب الأسماك منها، وهو بالتأكيد آخر ما يتمناه أو يقبله الصيادون فى تلك الأجواء العاصفة.وبحسب "السيد الزنفلى"، صانع شباك بمنطقة "الأنفوشى"، فإن كثيراً من الصيادين اعتادوا صناعة الشباك، بدلاً من استيرادها من الخارج، من دول مثل كوريا الجنوبية والصين وإيطاليا واليونان، وذلك بسبب التفاوت الكبير بين أسعار الشباك المستوردة واليدوية، وهو الأمر الذى يشكل عبئاً كبيراً على الصيادين، مما دفعهم للمحافظة على أصولهم فى صنع الشباك بأيديهم.