هل يكرر الجيش المسار السياسى للإخوان؟
أستميح القارئ أن يؤجل الحكم على ما إذا كان عنوان المقال ضرباً من الهذيان إلى النهاية.
يلفت النظر أن المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة أدلى منذ شهور بتصريح حاسم وقاطع مؤداه أن القوات المسلحة لن تقدم مرشحاً للرئاسة، ولن تدعم أى مرشح للرئاسة. ووقتها اجتذب هذا التصريح تقدير واحترام كثرة من المصريين، والكاتب من بينهم، حيث كان يعنى تأكيداً أن تحرك القوات المسلحة لشعب مصر تأييد للموجة الثانية الكبيرة من الثورة الشعبية العظيمة فى يونيو 2013 كان فعلاً وطنياً خالصاً خالياً من أى مصلحة ذاتية أو قفز على السلطة من قِبل قادة القوات المسلحة المصرية، بما ينفى تماماً عن موقف القوات المسلحة فى 3 يوليو 2013 شبهة الانقلاب العسكرى.
لكن قارن هذا الموقف المبدئى الشريف بمهرجانات التأييد الفج أحياناً، لترشيح الفريق السيسى للرئاسة من قِبل أشخاص محسوبين على المؤسسة العسكرية، خصوصاً بعد أن أعلن الفريق أنه لن يترشح إلا بتأييد من الجيش. لاحظ الجيش وليس الشعب، فى عودة مبطنة لمنطق تأييد الأهل والعشيرة وليس عموم الشعب. وذلك على الرغم، أو ربما بسبب، من قيام حركات كثيرة تستجدى الفريق أن يقبل التكليف التاريخى ويترشح لمنصب الرئاسة. ولنتوقف هنا للحظة لنتساءل: هل سيمكن لأحد أياً كان أن يُخضع الفريق إن أصبح رئيس مصر لأى مساءلة جادة، وهو يُطلب منه رئاسة البلد دون أن يقدم برنامجاً أو أن يتعهد بإنجازات محدّدة. لا أظن! فالتكليف يأتى على صورة صك على بياض، وهذه دعوة للاستبداد لم نرَ فى التاريخ بشراً يقدر على مقاومتها.
والآن ألا يذكّرك كل هذا بموقف جماعة الإخوان الضالين من الترشح للرئاسة. نعم، بحذافيرها تقريباً، تمنُّع ووعد بعدم الترشح ثم معارك تكسير عظام لاقتناص المنصب. وأفضى التمنّع الأولى إلى سعى محموم للإمساك بالمنصب وكل المناصب الأخرى المؤثرة فى السياسة المصرية، استئثاراً بجمع مراكز السلطة وإقصاء لجميع الآخرين منها فيما عرف بالتمكين أو الأخونة.
صحيح أن المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان متضادان سياسياً فى هذه المرحلة الانتقالية الثانية، ولكن تأكيداً لم يكن الحال كذلك أثناء حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة للمرحلة الانتقالية الأولى، فليس فى السياسة عداوات دائمة.
وبتجاوز النظرة السطحية يتبين أن أوجه الشبه بين الإخوان والقوات المسلحة أقوى مما يفرق بينهما. كل من الجهتين يمتلك قوة اقتصادية ضخمة وتنظيماً حديدياً يقوم على السمع والطاعة، الأمر من الأعلى والطاعة من الأدنى. الاثنان إن شئت بهما ملامح من التنظيمات ذات الطابع الدينى أو العقدى، ومن ثم يشتركان فى العزوف عن تحمّل الممارسة الديمقراطية السليمة التى تشترط حرية الرأى والتعبير وقبول الاختلاف. أضف إلى كل هذا أن المواجهة الحالية بين الجهتين لم تحقق نصراً حاسماً للقوات المسلحة على الإخوان أو إرهابهم، على الأقل حتى وقت الكتابة.
ولكن فى حالة المؤسسة العسكرية، يرتب إقرار الدستور الجديد، بسبب الوضع الاستثنائى للقوات المسلحة فيه، تعقيدات مستحدثة لمصر وللمؤسسة العسكرية وللفريق السيسى شخصياً، إن أصبح رئيساً. وقد ينتهى كل هذا بسيطرة المؤسسة العسكرية على ساحة السياسة فى مصر. وأهم مراكز القرار، منصب رئيس الدولة. والأرجح أن يتحول كل هذا إلى أرستقراطية عسكرية تعلى المؤسسة العسكرية على إرادة الشعب. ووقتها قل على أى حلم بحكم ديمقراطى سليم السلام. وهذا هو وجه الشبه الأخير والأهم بين المسارين السياسيين، ما يقابل فى حالة الإخوان التمكين أو الأخونة. هو الخطأ القاتل للجنة تعديل الدستور فى إهدار مدنية الدولة لصالح إقامة أرستقراطية عسكرية تحكم مصر فى دولة عسكرية الطابع.
أما الفريق السيسى رئيساً، فقد يكون أول رئيس مصرى لا يستطيع، بنص دستورى جازم كان مقصوداً به أن يحميه هو شخصياً إن لم يرقَ لسدة الرئاسة، عزل وزير الدفاع الذى لن يمنعه أحد من التطلع لمنصب الرجل الأول. ولمَ لا، وهو سيكون رئيس المؤسسة الأهم وستحوله الحصانة من العزل إلى مركز قوة لا ينَازع فى السياسة المصرية ويستطيع تدعيم شبكة الولاء له داخل القوات المسلحة بالإغداق على أبناء المؤسسة، خصوصاً أنه ليس من رقيب من ممثلى الشعب على موازنة القوات المسلحة. ناهيك عن أن انقلاب الطامحين من المؤسسة العسكرية على رؤسائهم، مدنيين أو عسكريين، أمر متواتر فى مصر. وقد ينتهى كل هذا بأن يكون منصب الرئيس وقفاً على وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة. وربما يشكل تمكين المؤسسة العسكرية من السياسة فى مصر دعوة مفتوحة لعودة اليمين المتأسلم إلى الحلبة السياسية، فالبديل سيكون دوماً التهديد بعدم الاستقرار فى عودة لمنطق المخلوع محمد حسنى.
لقد زعم السيد رئيس لجنة كتابة الدستور أن الفريق السيسى لم يطلب تحصين منصب وزير الدفاع.. الرجل، مهما كيل له المديح على قدراته الدبلوماسية فى إدارة لجنة تعديل الدستور فقد كان من وجوه نظام محمد حسنى وكان ضليعاً فى إرضاء رغبات رؤسائه. وأنا أصدق الرجل فى أن وزير الدفاع لم يطلب شخصياً تحصين المنصب فى الدستور لسببين: الأول أن الفريق السيسى لم يكن قد حسم أمره بشأن الترشح للرئاسة حينئذ ومن ثم كان مطلوباً تحصين منصب وزير الدفاع. والثانى، والأهم، هو لماذا تطلب وأنت تعلم أن المداهنين والمتسلقين سيعطونك أكثر مما تطمح إليه؟
أما الآن وقد وقع «الفاس فى الراس» كما يقال، فإن تحصين منصب وزير الدفاع بنص دستورى جازم سيكون مشكلة ضخمة للفريق السيسى رئيساً. وسيكون الصراع السياسى على رأس الدولة فى مصر قاصراً من الآن فصاعداً على الرئيس العسكرى ووزير الدفاع، العسكرى أيضاً. وهكذا دواليك. وقد يصل الأمر إلى حلم الإخوان بالحكم خمسمائة سنة قادمة، ولكن للمؤسسة العسكرية هذه المرة.
وهذا هو العيب القاتل فى سن الدساتير انطلاقاً من أوضاع استثنائية وقتية بالافتئات على القواعد الدستورية والحقوقية الأصيلة. وأهمها قاطبة أن «لا سيادة تعلو على إرادة الشعب».
الآن أدعو القارئ إلى الحكم على ما إذا كان عنوان المقال ضرباً من الهذيان.