محاولات لزراعة «نباتات النُقل» فى «القومى للبحوث» و«بحوث الصحراء».. والتمويل يجهضها

كتب: جهاد مرسى

محاولات لزراعة «نباتات النُقل» فى «القومى للبحوث» و«بحوث الصحراء».. والتمويل يجهضها

محاولات لزراعة «نباتات النُقل» فى «القومى للبحوث» و«بحوث الصحراء».. والتمويل يجهضها

أكثر من 20 عاماً مضت على مشروع زراعة نباتات النُقل «اللوز، الفستق، وعين الجمل»، ولا يزال مسكوتاً عنه، أصوات تعلو وتصرخ بجدواه الاقتصادية وعائده المضمون، تقابلها لامبالاة وتخبط إدارى من قبل متخذى القرار، فيبدون استعدادهم لتبنيه ويخصصون له ميزانية محدودة لسنوات قليلة، وقبل أن يؤتى ثماره، يقتلعونه من جذوره، ويديرون له ظهورهم، ليعود المشروع للمربع «صفر».

ثلاث مراحل مر بها المشروع الواعد، أخرت من عائده الاقتصادى، لكنها لم تنل من عزيمة القائمين عليه، وعلى رأسهم الدكتور محمود سامى أبو ريا، أستاذ الفاكهة بالمركز القومى للبحوث، جعلته يتقدم عبر «الوطن» بمناشدة لرئيس الجمهورية والجهات المختصة لتبنى المشروع، ورصد ميزانية تسمح له بالاستمرارية، مؤكداً إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتى من نباتات «اللوز والفستق وعيد الجمل»، وتصديرها للخارج والوجود فى سوق المنافسة، مشيراً إلى أن أكبر أزمة تواجههم هى عدم انتظام التمويل، ما يعد إهداراً للمال العام، والجهد والوقت.

ولد المشروع فى عام 1998، ووفقاً لـ«أبو ريا» تمتد المرحلة الأولى منه حتى عام 2002، حيث حظى بدعم ورصدت له ميزانية، وتمت دراسته جيداً وتحديد الأماكن التى تصلح لزراعة أشجار النُقل، بالتركيز على سيناء، ثم توقف الدعم وتعثر المشروع لسنوات، إلى أن عادت له الحياة فى عام 2005، بتلقى دعم وتمويل من أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا، بالاشتراك مع وزارة الزراعة.

{long_qoute_1}

امتدت المرحلة الثانية من المشروع حتى عام 2007، وخلالها تمت زراعة أراضٍ بالأصناف الثلاثة وتوفير اللازم، لكن وزارة الزراعة لم تفِ بنصيبها من الدعم، فكان من المفترض أن تدفع 50% من الميزانية، فتوقف المشروع بعد عامين.

أما المرحلة الثالثة من المشروع، فكانت فى عام 2014، بتلقى تمويل من صندوق العلوم والتنمية التكنولوجية لمدة 3 سنوات، وميزانية خصصها «أبو ريا» لزراعة 500 فدان فى محافظات جنوب سيناء، والسويس والإسماعيلية، على مدار الـ3 سنوات، ثم سرعان ما توقف الدعم وبالتالى المشروع بنفس الطريقة، وبحت أصوات القائمين عليه من المناشدات، خاصة مع بداية إثماره، ولا حياة لمن تنادى.

أكاذيب عديدة تروج للنيل من مشروع زراعة نباتات النُقل محلياً، يرد عليها «أبو ريا» بضراوة، ومنها عدم ملاءمة المناخ فى مصر والتربة لتلك الزراعات: «قمنا بتحديد آخر كمية تم استيرادها من المكسرات بالطن، والكمية المفترض أن ينتجها الفدان، وبقسمتهما تمت معرفة مساحة الأفدنة المطلوب زراعتها لتحقيق الاكتفاء الذاتى، وتوصلنا إلى إمكانية الوصول لذلك فى مصر بالأرقام الدقيقة، فمساحة سيناء وحدها 60 ألف كيلومتر مربع، ناهيك عن بعض محافظات الصعيد مثل المنيا، التى تنخفض بها درجات الحرارة فى فترات من العام، وتكون مناسبة لزراعة أشجار النقل، كذلك الساحل الشمالى بأكمله، الذى كان فى فترات سابقة يُزرع بأشجار اللوز ويعتمد على مياه المطر، أيضاً الواحات وسيوة يمكن زراعتها، وكذلك الأراضى الممتدة على الطريق الصحراوى، ورغم أنه لم تتم دراسة الظروف الجوية لجميع محافظات مصر، لكن ما تم رصده يكفى لتحقيق الاكتفاء الذاتى والتصدير».

إنتاج ثمار «لوز، فستق وعين جمل» أقل جودة من المستوردة، اتهام يرد عليه «أبو ريا»، بأن الثمار الأقل جودة موجودة، وتستخدم كأصول للتطعيم عليها: «نحن كعلماء حين فكرنا فى الإكثار من هذه الثمار، أتينا بالطعوم من نفس الأصناف التى نستوردها من الخارج، وطعمنا بها فخاطبنا وزارة الزراعة السورية، وأتينا بفستق حلبى وطعمنا به فى منطقة سانت كاترين وأثمر، ومحافظ جنوب سيناء شهد إنتاجه وتذوقه من على الأشجار، وناشد المسئولين تبنى المشروع وتعميمه، لنكثر من هذه الأصناف فى مصر، ونكتفى ذاتياً».

أما أبرز الانتقادات الموجهة للمشروع، فتتمثل فى الاهتمام بزراعات ثانوية على حساب محاصيل مهمة، الأمر الذى يعلق عليه «أبو ريا»، بأن زراعة الأشجار بشكل عام تشغل 20% فقط من مساحة الفدان، حيث يُترك 5 أمتار بين الشجرة والأخرى، ويمكن استغلال تلك المساحات «80% من الفدان» وزراعتها بالبقوليات مثل الفول، البسلة، الفاصوليا وغيرها من المحاصيل المفيدة، بما يقلل من الفجوة الزراعية.

ويلمح «أبو ريا» إلى أن الوضع الحالى للزراعة فى سيناء مؤسف، وأقصى ما يتم زراعته هى أشجار الزيتون، وإذا لم تكن تُزرع بغرض الحصول على الزيت، فجدواها الاقتصادية تكون قليلة، مع العلم أنه للحصول على زيت منها نحتاج إلى مساحات ضخمة، حيث توجد معاصر الزيت وسط الأراضى، فضلاً عن أن وضع مصر متأخر فيما يتعلق بالمنافسة العالمية مع إسبانيا وإيطاليا والدول التى سبقتنا بعشرات السنين فى إنتاج زيت الزيتون.

أما إذا استبدلت تلك الزراعات بأشجار النقل، فسوف تتعدد المكاسب، بحسب «أبو ريا»، حيث نستورد من الخارج بملايين الدولارات سنوياً، ولأن سعر الثمار فى السوق مرتبط بسعر الدولار، فيتضاعف أكثر من مرة، ولا يستفيد من تلك الثمار سوى شريحة الأغنياء، وتدرج ضمن السلع الاستفزازية: «هى استفزازية من ناحية سعرها، لكن حين تتوفر محلياً ويقل سعرها سيتغير المسمى، وتصبح مثل الفول السودانى.. المصرى يستحق أن يعيش جيداً ويأكل جيداً.. هو مفيش غير الفول للمواطن الغلبان؟».

دور كبير يبذله المركز القومى للبحوث لدعم المشروع، حيث يمد المزارعين بالشتلات مجاناً، لتشجيعهم على زراعته، لكن المزارع حين يجد التمويل توقف، والأشجار لم تثمر ولا يعرف كيف يتعامل معها، يقوم باقتلاعها وزراعة البديل، بينما علمياً تحتاج أشجار النقل إلى 3 سنوات حتى تنتج، فتعطى البشاير فى السنة الرابعة، ثم يزداد المحصول عاماً تلو الآخر، ومع بداية السنة السابعة حتى العاشرة يكون المشروع فى قمة الإثمار، ورصد أساتذة متخصصون فى الإنتاج الزراعى صافى الربح فى السنة السابعة بنحو 80 ألف جنيه للفدان، فى حال بيع كيلو الثمار بـ40 جنيهاً، وهو رقم هزيل غير منطقى، رغم أن التكلفة نحو 25 ألف جنيه للفدان، وتقل بمرور الوقت، بشرط الالتزام بالكميات المناسبة من الأسمدة فى التوقيتات المحددة، وبنسب مياه معينة، لأن زيادتها تؤدى إلى تعفن الجذور.

الحديث عن تنمية سيناء يصب فى مصلحة المشروع، فى رأى «أبو ريا»، فحين نزرع سيناء بأشجار النقل، سنخلق مجتمعات عمرانية، مع العلم أنها لا تحتاج إلى كمية مياه كبيرة، ولا كميات غذاء وفيرة، وثماره لا تتلف سريعاً مثل باقى أشجار الفاكهة، ويمكن تخزينها بسهولة، وبيعها بالسعر المراد.

كان للدكتور وائل موسى غيث، رئيس محطة بحوث شمال سيناء مركز بحوث الصحراء، تجربة رائدة فى زراعة أشجار اللوز، من خلال برنامج لمدة 3 سنوات «2013 إلى 2015» لتطوير إنتاجيته تحت الظروف المطرية فى محطة بحوث شمال سيناء: «أعمل فى سيناء منذ عام 1996، جربت زراعة معظم الأشجار المثمرة التى يمكن أن تنجح وتجود فى بيئة سيناء، وعلى مدار 10 سنوات زرعت اللوز، باعتباره أصلاً جيداً لكل الفواكه ذات النواة الحجرية، مثل الخوخ والمشمش والبرقوق والنكتارين، كما يستخدم كمصدر جيد للزيت، ويدخل فى الصناعات الدوائية، إلى جانب زراعته لإنتاج ثمار اللوز المستخدم كمكسرات».

مشكلة أساسية كانت تهدد زراعات اللوز فى سيناء، وتقلل من حجم المحصول، تسمى عدم التوافق الذاتى، بحسب «موسى»: «النبات يحمل الأجزاء المؤنثة والمذكرة، ولا ينضجان مع بعضهما فى نفس التوقيت، المشكلة التى حاول البرنامج حلها لتطوير إنتاجية اللوز، من خلال التلقيح الجيد بين أصناف محددة أعضاؤها المذكرة تنضج فى نفس وقت أعضائها المؤنثة، وأجرينا تجربة بالتوسع فى زراعة الأصناف الملقحة، وكانت النتائج مبهرة».

على العكس من ذلك، حاول «موسى» زراعة الفستق فى وسط سيناء على مدار 10 سنوات، وأجرى تجارب عليه، وتوصل إلى نتيجة أنه غير ملائم للبيئة فى سيناء: «أمدَّنا المركز العربى لدراسات المناطق الجافة والقاحلة فى سوريا ببعض أصناف الفستق، وحاولنا زراعته، لكن ظهرت مشكلتان، أولهما أنه يحتاج إلى ساعات برودة معينة حتى يزدهر ويجود بمحصول وفير، كحال معظم الأشجار المتساقطة، إلى جانب مشكلة التلقيح، فكان لا بد أن يتم باليد، وإلا كان المحصول ضعيفاً جداً، وبالتالى غير مُجدٍ اقتصادياً».

عمليات مكافحة الإرهاب فى شمال سيناء أثرت على القطاع الزراعى، وخاصة فى مركزى رفح والشيخ زويد، ولم تسمح بالاستفادة من نتائج برنامج تطوير زراعات اللوز، بحسب «موسى»: «يصعب الدخول والخروج للقطاع، وإمداده بالمستلزمات الزراعية، كما أن انقطاع الكهرباء يؤثر على الآبار، وقمت بنشر تجربتى مع زراعة اللوز وكيف يمكن تحويله من محصول لا يجود إلى محصول مُجدٍ اقتصادياً، وآمل أن تتحسن الأوضاع فى شمال سيناء، لاستكمال جهودى فى زراعة اللوز».

تحقيق الاكتفاء الذاتى من اللوز يمكن الوصول إليه بسهولة، وفقاً لـ«موسى»، بزراعته فى أماكن مختلفة بجمهورية مصر العربية، على رأسها مركزا رفح والشيخ زويد بشمال سيناء، لأن معدل سقوط الأمطار بهما الأعلى على مستوى الجمهورية «250 مللى فى السنة»، وبالفعل هناك 15 ألف فدان تطرح «لوز»، كما يمكن زراعته فى بيئة مطروح: «ساهمت العام الماضى فى زراعة مجموعة من وديان مطروح باللوز، حيث إن معدل الأمطار بها جيد، وهناك تجارب سابقة فى زراعة اللوز ببرج العرب».


مواضيع متعلقة