وزير التخطيط الأسبق: 2019 خطوة على «طريق كله مطبات» وسنتجاوزها بالتوقف عن جلد الذات والنظر إلى الوراء

وزير التخطيط الأسبق: 2019 خطوة على «طريق كله مطبات» وسنتجاوزها بالتوقف عن جلد الذات والنظر إلى الوراء
- أسواق العالم
- إنفلونزا الطيور
- الأيدى العاملة
- الإقليمية والدولية
- الاتحاد السوفيتى
- الاقتصاد الأمريكى
- البضائع الصينية
- التجارة الدولية
- وزير التخطيط الأسبق
- أسواق العالم
- إنفلونزا الطيور
- الأيدى العاملة
- الإقليمية والدولية
- الاتحاد السوفيتى
- الاقتصاد الأمريكى
- البضائع الصينية
- التجارة الدولية
- وزير التخطيط الأسبق
قال الدكتور عثمان محمد عثمان، وزير التخطيط الأسبق، إن الاضطراب واختلال المعايير بدا وكأنه مسلمات مؤخراً، وذلك يرجع إلى 3 أسباب، منها بزوغ الصين كقوة عظمى بشكل لم تتوقعه الولايات المتحدة، التى كانت تعتقد أن العولمة ستفتت أسواق العالم أمام سلعها، لكنها اكتشفت أن «الصغيرين بيكبروا» وبضائعهم غزت أسواقها، وأصبحت مدينة لبكين، وأوضح الاقتصادى المرموق أن مصر فشلت على مدار عشرات السنوات فى تحقيق نهضة اقتصادية، لثلاثة اعتبارات، وهى كوننا مجتمعاً يقاوم الحداثة، ولدينا نخبة متكلسة لم تغادر حقبة الستينات، كما أن أولوياتنا ليست من اختيارنا.
وأكد أن خطأ إهمال الصناعة والزراعة يقع على الجميع، لكن المتهم الأول هو رجال الأعمال الذين يفضلون الاستيراد والربح السهل «من غير وجع دماغ»، وأضاف فى حواره لـ«الوطن»، أن عام 2019 سيكون خطوة على طريق مملوء بالمطبات الداخلية والإقليمية والدولية، سنتجاوزها عندما نكف عن جلد الذات والنظر إلى الوراء، مع ضرورة مواصلة العمل على استقرار سعر الصرف، والحفاظ على التوازن المالى والنقد، وأن نسارع بتصميم برنامج تصنيع شامل، مع الصبر على المصاعب الاقتصادية.. وإلى نص الحوار.
كيف ترى السنة الجديدة؟
- ستكون 2019 خطوة على طريق مملوء بالمطبات الداخلية والإقليمية والدولية، سنتجاوزها عندما نكف عن جلد الذات والنظر إلى الوراء والتركيز على السلبيات، وأن نتوافق على وحدتنا ونقبض بالنواجذ على هوية مجتمعنا، على المستوى الاقتصادى يلزم مواصلة العمل على استقرار سعر الصرف، والحفاظ على التوازن المالى والنقد، وأن نسارع بتصميم الاستثمار فى برنامج تصنيع شامل، والصبر على المصاعب الاقتصادية التى ستظهر مع الإسراع فى خطوات التقدم الاقتصادى.
{long_qoute_1}
كيف ترى المشهد الاقتصادى على الصعيد الدولى؟
- المؤكد أن السنوات الأخيرة يسودها قدر من الاضطراب واختلال معايير بدت كأنها مسلمات، فى بداية التسعينات كان الحديث فى أوجه عن العولمة وكيف أصبح العالم قرية صغيرة، مع المناداة بحرية التجارة والدفاع عنها والتوافق دولياً على ضرورة حماية البيئة، ومع العولمة تضخم القطاع المالى متمثلاً فى أنشطة البورصة والسمسرة والتأمين والبنوك، إلخ، فى مقابل الاستثمار الحقيقى فى القطاعات الإنتاجية، إلا أن اعتبارات مختلفة ظهرت مؤخراً أوضحت أن الرؤية المثالية للعلاقات الدولية الاقتصادية والتجارية كما تخيلها دعاة العولمة غير صحيحة، فضلاً عن أن الحرية التى دعوا إليها لم تكن موجودة بالمطلق، إذ تركز الحديث والتطبيق على حرية التجارة الدولية دون التطرق لحرية انتقال رؤوس الأموال والأيدى العاملة، وكان هذا تناقضاً فى الرؤى والسياسات.
ما هذه الاعتبارات التى أدت إلى فتور حماس دول غربية على رأسها الولايات المتحدة للعولمة التى نادوا بها واستفادوا من ثمارها سنوات طويلة؟
- فى تقديرى ظهور الصين كقوة اقتصادية فاعلة وقادرة على تحقيق فوائض ضخمة فى موازين مدفوعاتها، بحيث أصبحت دائنة للاقتصاد الأمريكى دون أن تغير أسس إدارة اقتصادها القومى، فالسوق العالمية لا تستطيع أن تغير مثلاً سياسة سعر الصرف داخل الصين، كما أن الصين استفادت من التطور التكنولوجى فى الغرب بشكل متدرج، بحيث لم تتعرض مباشرة لمشاكل انتهاك الملكية الفكرية، ثانياً تصاعد الاهتمام بعدالة توزيع الدخل والشكوى من انخفاض مستوى معيشة شرائح كثيرة حتى فى المجتمعات الغربية الغنية، وقابل هذا نزعة شعبوية متصاعدة فى هذه الدول سواء كانوا ذوى توجه يمينى، مشغول برفض الهجرة، أو يسارى يرفع شعار تضييق فوارق الدخول بين شرائح المجتمع، الأمر الثالث أن هناك ثورة تكنولوجية رهيبة، مع دخول العالم الثورة الصناعية الرابعة وربما نكون على مشارف الثورة الخامسة، وهذا أثر على الإنتاجية، التى كانت دائماً المعيار أو المحور الرئيسى فى تنافس الدول الصناعية المتقدمة والبازغة مثل الصين وقبلها اليابان، ولب الخلاف بين ألمانيا وأمريكا أن معدل نمو التكنولوجيا فى ألمانيا أسرع، ما يفقد الاقتصاد الأمريكى ميزاته التنافسية فى بعض المجالات، وهذه الأسباب الثلاثة هى جوهر ومحرك الاحتجاجات فى فرنسا، فالمواطن هناك لم يعد متأكداً ومطمئناً للمستقبل، لأن ظهور الصناعات «كثيفة التكنولوجيا» يقضى على الصناعات «كثيفة العمالة» ما يفقد العمالة فرص عملها، ما لم تنشأ صناعات جديدة تستوعب هذه العمالة.
إذن أنت ترى أن العامل الأول فى الاتجاه المناهض للعولمة هو صعود الصين؟
- نعم.. أمريكا كانت متحمسة بعد الحرب العالمية الثانية ولسنوات طويلة بعدها لفكرة العولمة، لأنها كانت تعتقد أنها «بريطانيا الجديدة التى لا تغرب عنها الشمس» وكل الاقتصادات فى العالم ستكون مفتوحة أمام سلعها، لكن مع الوقت اكتشفوا أن «الصغيرين بيكبروا»، فبدأ الحديث منذ التسعينات عن معجزة دول شرق آسيا، ثم تركز على المعجزة التى لا نظير لها وهى الصين، أعتقد أن الاقتصاديين الغربيين خصوصاً فى أمريكا لم يتخيلوا أن الصين ستنجح فيما فشل فيه الاتحاد السوفيتى، كان اعتقادهم أن الصين، بحكم الأيديولوجيا، ستظل دولة نامية، لكنهم فوجئوا بأن العولمة، التى أرادوا أن يستفيدوا منها على حساب الآخرين، أتاحت لهؤلاء الآخرين، خصوصاً فى شرق آسيا، فرصاً للنمو المذهل واكتسحت البضائع الصينية واليابانية أسواقهم، وكلام الصين عن المستقبل، وإغراقها العالم باستثماراتها من خلال مشروع الحزام والطريق العملاق مرعب.
{left_qoute_1}
هل مع اكتساح البضائع الصينية للأسواق الغربية وتأثير ذلك على فرص العمل هناك ظهرت التيارات الشعبوية؟
- التيارات الشعبوية ظهرت لأسباب متعددة، منها السبب الذى أشرت إليه وموجات الهجرة وضجر بعض الشعوب من الهيمنة الأمريكية، مع تشكك بعضهم فى قدرة سياساتها على إدارة العالم بشكل رشيد، لكن التفوق الصينى اقتصادياً كان السبب الرئيسى فى ظهور ترامب، الذى نجح فى توظيف هذا البعد لصالحه وركز فى خطابه على الناخبين فى المناطق التى تأثرت سلبياً بالواردات الصينية، ورفع شعار «أمريكا أولاً»، الذى يتناقض مع العولمة، وتحت هذا الشعار بدأ ينسحب من اتفاقات دولية كثيرة ويطالب حلفاءه بدفع نصيب أكبر مقابل حمايتهم، ما استفز النزعة القومية فى بلد مثل فرنسا التى طرح رئيسها فكرة تطوير «جيش أوروبا»، الأمر الذى أغضب ترامب، وهكذا.
لماذا يثور الحديث عن الظلم الاجتماعى حتى فى دولة مثل فرنسا تدلل مواطنيها؟
- منذ نحو 15 عاماً كان هناك مقترح فى فرنسا أن تكون أيام العمل 4 فقط وإعطاء العاملين هناك 3 أيام إجازة للاستمتاع بالحياة، ومع ذلك تشعر شريحة من مواطنيها بالظلم، ولذلك 3 أسباب فى تقديرى، الأول أن عدداً كبيراً من المهاجرين يتقاضون رواتب ضعيفة بحكم ضعف إنتاجيتهم بسبب التعليم والمهارات المتواضعة، وهؤلاء، بعد أن يأخذوا الجنسية، يقارنون أنفسهم بأبناء البلد الأصليين، هم يرون أن هناك من يعيش فى وضع أحسن منهم ولا يسألون أنفسهم بشكل هادئ لماذا هذا التفاوت؟ هم يكتفون بالسؤال الغاضب «ليه هم عايشين أحسن مننا؟»، الأمر الثانى أن فرنسا تعانى من نتائج النقلات التكنولوجية، فمنذ نحو 20 عاماً حدث تحول هناك عما أسموه «الصناعات السوداء» للصناعات الخضراء أو النظيفة، وتم نقل صناعات كثيرة اعتبروها ملوثة من باريس وضواحيها، هذا التحول أضر بعدد كبير من العاملين وما زال هذا التحول يؤثر، فقد كان أحد أسباب الغضب الأخير رغبة «ماكرون» فى زيادة أسعار كل أنواع الوقود الملوث للبيئة، هناك شرائح فرنسية واسعة بدأت تشعر بالقلق حيال المستقبل، وهناك من يرى أن الشعب الفرنسى على ما يبدو «ثورجى بطبعه».
{long_qoute_2}
وماذا عن السبب الثالث لغضب الفرنسيين؟
- السبب الثالث وراء غضب الفرنسيين وغير الفرنسيين يكمن فى التقدم الاقتصادى والتكنولوجى الذى أتاح إنتاج سلع وخدمات لم تكن موجودة من قبل، وتحولت هذه السلع والخدمات من كماليات إلى ضرورات، «كنا عايشين ومبسوطين» قبل ظهور التليفون المحمول، لكن ما إن ظهر حتى أصبح ضرورة ولم يعد مقبولاً مثلاً أن تزور الناس دون اتصال مسبق أو تترك ابنك يخرج دون أن تلاحقه بالمحمول لتطمئن على خط سيره وهكذا، ولم يعد أحد يقبل عدم وجود تليفون محمول معه مهما كان ارتفاع تكاليفه عليه، وهناك نماذج كثيرة لقانون «Say» الشهير الذى يقول إن العرض يخلق الطلب وليس العكس، وكلنا نعيد توزيع بنود الميزانية للاستمتاع بخدمات وسلع كثيرة لم تكن ضرورية مثل التكييف ومشاهدة القنوات المشفرة وغيرهما، رغبة من الناس فى الاستمتاع بمستوى أفضل يضاهى الفئات الأغنى، وإذا لم يتيسر لهم هذا تشعر بالظلم.
لكن ألا تتفق مع عدد كبير من الاقتصاديين الذين يحذرون من تصاعد التفاوت فى الدخل بشكل مذهل واعتبار ذلك خللاً فى النظام الاقتصادى السائد؟
- لا أتفق مع من يتحدث عن وجود خلل فى النظام الاقتصادى السائد. المشكلة ليست فى النظام ولكن فى السياسات، إذا أخذت أمريكا مثالاً ستجد أن بوش الابن، الجمهورى، اتبع نظام «تساقط ثمار التنمية» (الذى حاول «ماكرون» تطبيقه فى فرنسا، وخفف الضرائب عن المستثمرين)، وعندما جاء بيل كلينتون اتبع نظاماً مختلفاً تماماً ونجح، والآن يتبع ترامب سياسات أخرى وهو ناجح فيها بالمعيار الاقتصادى، وكل هذه السياسات المختلفة نابعة من نظام واحد، إذن العيب ليس فى النظام، أما عن التفاوت فى الدخول، فقد كان موجوداً منذ الأزل، وفى العصر الإقطاعى كان هناك صاحب العزبة الذى يملك خدماً وعبيداً، هذا ليس جديداً، الجديد هو ما أتاحه التقدم الاقتصادى والتكنولوجى «المعولم» من سلع وخدمات غيرت حياة الناس وأنماط إنفاقها وتطلعاتها، كان الناس حتى منتصف السبعينات يذهبون للمصايف ويستمتعون بتأجير شقة أو شاليه فى أى مدينة ساحلية خصوصاً الإسكندرية، لكن مع ظهور قرية «مراقيا»، التى ابتكرها وبناها وزير الإسكان الأسبق، حسب الله الكفراوى، أصبح شراء وحدة فى الساحل الشمالى إحدى أولويات الطبقة المتوسطة، والحديث فى كل عام عن التدرج فى جودة المصايف، ومن انتقل مثلاً من مارينا إلى مراسى وهكذا.
{left_qoute_2}
إلى أى حد تتحكم الشركات وأصحاب رؤوس الأموال فى تحديد أجندات وأولويات الحكومات؟
- إلى حد كبير، لكن البنية الطبقية للمجتمع المتقدم اقتصادياً تغيرت، والمسائل لم تعد كما كانت فى الماضى، أو بالشكل الذى تناولته كتابات كارل ماركس -مثلاً- الذى كان يتحدث عن الرأسمالى الطماع المستغل فى مواجهة العامل المطحون، ليس هناك وجود لطبقة رأسمالية ظالمة، «البرجوازية»، أو طبقة عاملة مقهورة «بروليتارية» على هذا النحو، ولم يعد فائض القيمة يذهب للرأسمالى وحده، الآن فائض القيمة يوزع بين صاحب المال الذى تعدد (جمعية عمومية ومساهمون وغالباً صناديق استثمار وبنوك)، والمديرين التنفيذيين، ولم تعد رواتب العمال تكفى فقط لحد الكفاف أو تكفى لـuman reproduction أى ما يكفى فقط للإبقاء على العامل حياً ليظل يعمل، الوضع لم يعد بهذا الشكل المزرى ولذلك ضعفت نقابات العمال.
لماذا لم تنجح مصر على مدار عشرات السنوات فى تحقيق نهضة اقتصادية؟
- هناك 3 معوقات تحرمنا من التقدم، وهى (1) أننا مجتمع يقاوم الحداثة (2) نخبة متكلسة (3) وأولوياتنا ليست من اختيارنا.
{long_qoute_3}
هل يمكن أن تعطينا مثالين يوضحان ما تقصده بـ«النخبة المتكلسة» وأن «أولوياتنا ليست من اختيارنا»؟
- ليس هناك مثال أوضح على «تكلس النخبة» ممن يتحدثون عن دور الدولة والقطاع العام فى التخطيط والتصنيع والعمالة والغلاء والفقر، هذا كلام حقبة الستينات التى ما زالوا يعيشون فيها، حينما كانت الدولة «ماما وبابا»، والدولة لم تعد كذلك، ولا تستطيع أن تكون كذلك، لأن الأدوات فى أيدى القطاع الخاص وليس الدولة، وفضلاً عن التكلس هناك أيضاً نقص فى قدرات وخبرات من يتحدثون فى هذا الجانب، ورحم الله العالم الكبير الدكتور رفعت المحجوب، الذى له كتاب مذهل فى الاقتصاد السياسى، لا يجب أن يتكلم أحد فى الاقتصاد دون قراءته، فالكتاب يربط التخطيط بالتنمية بالنقود والبنوك، إلخ، وليس مجرد حديث عن «العرض والطلب»، أما الأمثلة على أن «أولوياتنا ليست من اختيارنا» فكثيرة، منها ما تفرضه الاضطرابات والفوضى التى تضرب دول المنطقة على صانع القرار من تغيير أولوياته لمواجهة هذه الأخطار وتخصيص موارد أكبر للجانب العسكرى والأمنى كان يمكن أن تذهب للتنمية لو كانت المنطقة أكثر استقراراً.
كيف يقاوم المجتمع الحداثة والتطوير؟
- الأمثلة كثيرة جداً على مقاومة شرائح مختلفة من المجتمع لمحاولات التطوير والإصلاح، وقد كتبت كثيراً عن ظاهرة أصحاب المصالح، فقد فشلت الدولة مثلاً فى إصلاح منظومة الزبالة كما وضعها وزير البيئة الأسبق ماجد جورج بسبب مقاومة «الزبالين» لها، حيث رفضوا دخول شركات جمع القمامة البيوت، ورضخت الحكومة وبدأ التزام الشركات بجمع الزبالة من صناديق عند ناصية كل شارع، لكن سيارات الشركات المجهزة لرفع الصناديق ميكانيكياً وجدت أنه من المستحيل ممارسة عملها، إذ يسبقهم إلى الصناديق الزبالون الذين يفرزون محتوياتها فى الشارع، أى خارج الصناديق، وفشلت الحكومة كذلك فى تطوير رياشات الطيور، (محلات بيع الطيور الحية)، فقد خططت الحكومة أثناء أزمة إنفلونزا الطيور لتغيير ممارسة هذا النشاط الذى يمكن أن ينقل الأمراض، من خلال مجازر قريبة من مزارع الدواجن، لكن خرجت مظاهرة حاشدة أمام مجلس الوزراء ضد المشروع الذى راعى مصالح أصحاب هذه المحلات، التى كان من المقرر أن تتحول إلى «سوبر ماركات» بمساعدة من الحكومة وهكذا.
{left_qoute_3}
لكن أصحاب المصالح فى كل دولة فلماذا تضعف الحكومات عندنا؟
- الحكومات تضعف أمام الضغوط فى كل مكان، وما حدث فى فرنسا مؤخراً أوضح مثال على ذلك، الفرق بين حكومة وأخرى هو قدرتها على تحقيق التوازن بين المطالب المتناقضة لأصحاب المصالح المختلفة، وهناك «قانون باريتو»، المعروف باسم pareto optimization نسبة إلى الاقتصادى الإيطالى فيلفريدو باريتو (1848-1923)، الذى يقول إن السياسة المثلى فى معالجة التناقضات هو أن أى شريحة تتضرر من إجراء معين يجب أن تعوض من العائد الذى تم تحقيقه من السياسة التى تتضرر منها وتستمر السياسة، لكن هذا لا يحدث عندنا بسبب مقاومة فئات كثيرة لأى عملية إصلاح ويمارسون فى ذلك ضغوطاً داخل البرلمان ومجلس الوزراء وفى وسائل الإعلام.
هل تتذكر مثالاً على مثل هذه الضغوط داخل مجلس الوزراء؟
- أذكر أن أحد الوزراء المحترمين الذين زاملتهم أثناء عملى فى الحكومة تعرض لهجوم عنيف داخل مجلس الوزراء بسبب مقترح باستيراد أجزاء الدواجن من أمريكا، كان التقليد المعمول به فى المجلس ألا يوجه وزير كلامه لوزير آخر ولكن يوجهه لرئيس المجلس، لكن فى هذه المرة هوجم الزميل هجوماً شديداً من جانب وزير آخر كاد يتهم فيه الزميل الفاضل بأنه «أمريكى الهوى»، وأن مقترحه يهدد صناعة الدواجن فى مصر، ولم نفهم ما الضرر من استيراد الدواجن إذا كان الطلب فى مصر أكبر من العرض؟ لكن اكتشفنا لاحقاً أن أصحاب المصالح من الراغبين فى احتكار سوق الدواجن هرعوا إلى هذا الوزير وتوسلوا إليه فاستجاب لهم.
لماذا لم تحظ الصناعة والزراعة بالاهتمام الواجب من جانب حكومات متعاقبة؟
- «هذه ثقافة شعب، محدش عاوز يتعب»، التقصير طبعاً يقع عبؤه على الجميع، لكن تقديرى أن اللوم يقع بشكل رئيسى على رجال الأعمال الذين يفضلون الاستيراد والربح السهل «من غير وجع دماغ»، ظل الرأى العام يقول معقول مصر لا تصنع سيارة؟! وكانت الاستجابة لهذا المطلب باستيراد سيارة إيطالى صناعة تركية، لأن هذا يصب فى جيب المستوردين.
متى يكون معيار زيادة النمو مضللاً؟
- هناك كتابات كثيرة تنتقد الاعتماد على معيار الناتج المحلى الإجمالى ونصيب الفرد من هذا الناتج، لكنه يظل رغم كل هذه الانتقادات المعيار الأول والأخير، فأى نشاط اقتصادى يؤدى لزيادة الناتج المحلى الإجمالى، ولا يمكن أن نتحدث عن عدالة توزيع ناتج ما زال كما هو، زيادة الناتج المحلى الإجمالى تعنى إما زيادة أعداد المشتغلين أو حجم الاستثمارات أو زيادة الإنتاجية، إذا كانت الزيادة ناتجة عن ارتفاع أعداد العمالة إذن العمال استفادوا، أى حصلوا على أجور، وإذا كان الناتج زاد بسبب زيادة الإنتاجية فبديهى أن العامل الذى زادت إنتاجيته على الأقل قد استفاد، وجزء من زيادة الناتج يذهب للحكومة فى صورة ضرائب، ما يعنى زيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية وتوظيف عدد أكبر من العمالة للعمل فى هذه الخدمات التى يتم إنجازها عن طريق مشاريع.