«ناجية»: أب وأم وجدة وعاملة فى «مقلة».. و«73 عاماً»

كتب: محمد غالب

«ناجية»: أب وأم وجدة وعاملة فى «مقلة».. و«73 عاماً»

«ناجية»: أب وأم وجدة وعاملة فى «مقلة».. و«73 عاماً»

«السوق علّمنى اللى أبويا وأمى ماعلّمهوليش».. تخرج الكلمات بصوت متهدج مهموم، من امرأة بلغت الـ 73 عاماً، وما زالت موجودة فى سوق العمل، لا تعمل من باب الرفاهية أو لتحقيق الاستقلالية، بل لحاجتها الشديدة لما تكسبه يومياً من «مقلة لب» ورثتها عن زوجها المتوفى.

فى 1 شارع أحمد بن طولون، تقف ناجية ناجى إبراهيم، خلف ألواح زجاجية ممتلئة عن آخرها بالمحمصات، تمسح العرق الذى يتصبب على جبينها من صهد ماكينات التحميص، بكم جلبابها الأسود، وتنطلق فى الحكى دون توقف: «من يوم ما مات جوزى مالبستش غير الأسود، طول النهار بقف فى المقلة أتابع الشغل وبالليل برعى ابنى المريض وولاده ده غير شغل البيت».

فى العمل تقف صلبة متماسكة، لا تهزها مشكلة ولا يضعفها سن، لكن بمجرد دخول البيت يتبدل حالها، تضعف المرأة القوية أمام مرض ابنها فعجزها عن علاجه يجعلها أضعف مما يتصور أحد: «بعد وفاة زوجى ابنى مسك المقلة، لكن بعد فترة بسيطة جاله مرض فى النخاع الشوكى جعله عاجزاً قعيداً: «اتحملت كتير فى الدنيا، تعبت وشقيت بعد ما مات جوزى، ماحستش بقطمة وسط غير لما رقد ابنى والدكاترة قالولى هيعيش عاجز».

أصبحت «ناجية» مسئولة عن ابنها. تذهب معه للأطباء.

تشترى له الدواء، بالإضافة إلى رعايتها لحفيدها وحفيدتها اللذين يذهبان للمدرسة بجانب إدارتها للمقلة: «أكتر من 20 سنة، بقوم بدور جوزى فى إدارة للمقلة، بنزل أشتغل وأرجع أساعد ابنى وأولاده، عمرى ما بينت تعبى ولا ضعفى، عايزة أبقى قوية قدامه، وقدام كل الناس، لكن أنا من جوايا حاسة بتعب».

تفضفض «ناجية» أحياناً لجاراتها، تحكى لهن ما يجيش بصدرها، تدمع عيناها رغماً عنها، فما تحمله فوق عاتقها لا يتناسب مع سنها الكبيرة: «معلش غصب عنى ساعات بعيّط، ست كبيرة واللى زيى مرتاحين فى بيوتهم، ساعات بتصعب عليّا نفسى بس مش ببين عشان ابنى المريض وولاده اللى لسه مطلعوش للدنيا».

تعمل منذ الثامنة صباحاً، حتى الواحدة مساء، حتى تستطيع توفير العلاج لابنها: «العلاج لوحده بيكلف 1500 جنيه كل شهر، بياخد حقنة كل أسبوع غالية جداً، وكل الدكاترة اللى شافوه قالوا إنه مش هيقوم من السرير، مش عارفة أعمل إيه، الشفا مش بعيد عن ربنا، ومش فى إيدى غير إنى أقول يا رب».

بخلاف المهام والواجبات المنزلية، ورعايتها لابنها وأسرتها، فإن البيع والشراء فى الشارع علّمها الكثير: «السوق علّمنى كل حاجة، علّمنى أبقى قوية وصبورة وإنى أتحمل، أصل وقفة البيع والشراء صعبة، لكن وكيلى وسندى ربنا».


مواضيع متعلقة