«صاحب علامة النصر»: «كنا حاسين إن روحنا بتطير وماكانش هاممنا الموت»

كتب: مروة عبدالله

«صاحب علامة النصر»: «كنا حاسين إن روحنا بتطير وماكانش هاممنا الموت»

«صاحب علامة النصر»: «كنا حاسين إن روحنا بتطير وماكانش هاممنا الموت»

ما بين عصر ومغرب يوم 7 أكتوبر عام 1973.. أى منذ 45 عاماً، التُقطت صورة النصر، لصاحبها البطل المقاتل محمد طه، فى مشهد درامى مؤثر، حين عبرت قواتنا المسلحة أكبر مانع مائى فى التاريخ.. كان البطل صاحب أول صورة حملت لمصر بشرى الانتصار برسم بإصبعيه، السبابة والوسطى، كأنهما خليجا السويس والعقبة وبينهما سيناء حرة.. كان جسده النحيل، الذى لا يزال كما هو بعد كل هذه السنوات، يحمل سلاحه ومعداته، وقت التقاط وكالات الأنباء العالمية صورته، ليعلن للعالم أن مصر استردت أرضها، وأصبح لهذا الشعب، صاحب حضارة وادى النيل، درع وسيف.

كاميرات المراسلين العسكريين وقفت أمام وجه البطل المقاتل، منذ 45 عاماً، وهو على رمل سيناء، فيما وقفت «الوطن» أمامه بعد مرور كل هذا الزمن، ولا يزال الحماس فى وجهه يكلمنا كما لو كان لا يزال فى لحظة العبور: «شاركت فى الحرب كمجند من أبناء الصعيد».. هكذا بدأت ذاكرته الحية تحكى لنا ماضياً لا يزال حاضراً فيه وفى كل جيل تبعه فى شرف العسكرية المصرية.

{long_qoute_1}

المجند محمد طه، الذى طلب منا أن نناديه بـ«البطل المقاتل»، قال: «جيت من الصعيد أؤدى واجب الخدمة العسكرية وأنضم لصفوف القوات بسيناء عشان أحارب، وأقسمت وقتها أنى مش راجع إلا وبلدنا منتصرة أو أرجع جثة ومعايا الشهادة».. وبالرغم من فارق الإمكانيات بيننا وبين جيش العدو، بحسب «البطل المقاتل»، فإن مصر استطاعت أن تفعل بعدوها كما فعل صحابة الرسول فى موقعة بدر: «حسيت خلال حرب أكتوبر أن ربنا أرسل جنوده يحاربوا معانا ويؤيدنا بنصره، بعد ما عشنا هزيمة مرة، لكن أعزنا الله بنصره فى حرب أكتوبر العظيمة، والتى أفخر بأن أكون أحد أبطالها».. وإلى نص الحوار:

كيف التحقت بجبهة القتال بعد دخولك الخدمة العسكرية؟

- بعد تخرجى فى كلية التربية كان فى هذا الوقت هناك تعيين للمدرسين لسد حالات العجز بالمدارس آنذاك، وبمجرد أن تم إدراج اسمى بين المعينين سألت نفسى: «هو أنا ماليش جيش ولا إيه؟ هو أنا مش راجل ولا شاب زى زمايلى اللى دخلوا الجيش؟».. كان أول رد على تساؤلاتى أنه تم تأجيلى 4 سنوات، ورغم أنى كنت متزوجاً فى ذلك التوقيت فإننى رفضت العمل وطرقت باب مدير المنطقة التعليمية الأول لأبلغه برغبتى فى الخدمة العسكرية، خاصة أن الشعب المصرى كله كان ينتفض ولعاً فى انتظار قرار الحرب، ورفضت تأجيل الخدمة العسكرية بكل الطرق فقال لى مدير المنطقة «الأمر مش بإيدى.. القوانين تحكم بنود الخدمة العسكرية الخاصة بفئة المدرسين».. بعد ذلك أرسلت تلغرافات لوزيرى التعليم والحربية وبعد 3 زيارات لإدارة التجنيد التحقت بالخدمة العسكرية وبدأت رحلتى فى سلاح المشاة الفرقة 19 من سنة 1972 حتى 1976، لأنال شرف الدفاع عن أرض مصر.

الحرب خدعة.. مقولة حققت نصر أكتوبر، فكيف كانت كواليس هذه الخدعة كما عشتها؟

- الرئيس أنور السادات كان يمتلك دهاءً غير عادى، وقد كانت هناك العديد من الخدع التى تؤكد عدم احتمالية قيام الحرب فى هذه الظروف على الإطلاق، ومنها أن الرئيس الراحل السادات قبل 10 أيام من الحرب أرسل ضباطاً وجنوداً لأداء العمرة وأنهى خدمة آخرين ثم استدعاهم وقت المعركة، ما جعل الجانب الإسرائيلى يرى أن احتمالات الحرب قد انتفت مع هذه الإجراءات، فالأمور كلها على الجبهة كانت هادئة ولا تشير إلى أى معركة محتملة، ومن خطط الخداع أيضاً كان توقيت الحرب، فمن الثوابت العسكرية أن الحروب دائماً تبدأ فى أول ضوء، فلا يوجد حرب يذكرها التاريخ تبدأ الساعة 2 ظهراً، حتى إن يوم 6 أكتوبر مر كيوم عادى لدى العدو الإسرائيلى حتى انطلاق الضربة الجوية المصرية فى الظهيرة علماً بأن الشمس فى هذا التوقيت تكون فى خلفية الجندى المصرى وليس فى مواجهة عينه فيتمكن من الرؤية الصافية بينما تكون فى عين العدو الإسرائيلى، وهو ما يُضعف المقاومة لديه، فكان توقيت الحرب فى حد ذاته دراسة متأنية وليست اختياراً عشوائياً. {left_qoute_1}

هل كان الجنود زملاؤك على الجبهة يستشعرون اقتراب موعد الحرب؟

- حتى عشية 5 أكتوبر 1973 لم نكن نعلم أى شىء عن وقت الحرب رغم التدريبات الشاقة التى ننفذها على عبور المانع المائى لصعود خط بارليف، فكانت التدريبات شاقة إلى حدّ أنْ لا فرق بينها وبين ساعة الحرب الحقيقية.. وفى يوم 5 أكتوبر بعد المغرب أتت الأوامر بالتحرك، وكنا بوصفنا جنوداً مقاتلين نظن أننا نتحرك لتنفيذ تدريب جديد بينما كانت القيادة تعلم أن ساعة الحرب أوشكت.. ارتدينا ملابس الميدان واتجهنا على خط القناة حتى وصلنا لمنطقة الجناين فى السويس التى تحيطها أشجار كثيرة كانت تغطينا حتى لا يكشفنا العدو الإسرائيلى، وبتنا تلك الليلة فى هذه المنطقة وبداخلنا مشاعر غريبة، فالوجبة التى تلقيناها هذه المرة كانت مختلفة عن تلك التى نتلقاها أثناء تنفيذ تدريب أو حتى الوجبة الاعتيادية التى نتسلمها فى كتائبنا، ليتضح لنا لاحقا أنها «وجبة حرب»، ودى إدتنا إشارة تانية أننا داخلين الحرب خلاص.

وصف الحرب دائماً صعب.. لكن ما الذى تتذكره من ملامح زملائك عكس شعورهم عند بدء المعركة؟

- يوم 6 أكتوبر 1973 تقريباً الساعة 2 إلا الثلث جاءنا الخبر بأننا سنعبر اليوم، فارتفعت أصواتنا (الله أكبر) بفرحة الثأر الذى سنأخذه أخيراً من العدوّ الإسرائيلى ولم تمر دقائق حتى شاهدنا طائراتنا تعبر فوقنا.. نظرنا إلى الجانب الآخر لنجد أبراج المراقبة والاستطلاع التى يراقبنا العدو منها فى شرق القناة تنهدم وتسقط، وهذا المشهد كان حافزاً للجنود التى لم تعبر بعد، فالطيران نفذ ضربته الجوية القاضية وعاد واستهدفت المدفعية الثقيلة خطوط العدو الإسرائيلية، وفى هذه اللحظات نفخنا القوارب وبدأنا العبور.. كنا حاسين أن روحنا بتطير وماكانش هاممنا الموت لو جه، كنا بنفكر بس فى اللى بيحصل قدامنا، نار من كل ناحية، وشىء بيدفعنا ننفذ بسرعة مهمتنا اللى عايشين سنين مستنيينها..

صورة النصر ستبقى خالدة فى قلوب المصريين.. كيف جاءت كواليس التقاطها؟

- الصورة دى كانت يوم 7 أكتوبر فى الفترة ما بين العصر والمغرب، وكانت أثناء معركة شديدة بالطيران فى موقع «عيون موسى»، وأصيب وقتها أحد رفقاء السلاح بدانة بترت رجله، وحتى لا يموت من النزف كان لا بد أن نحمله إلى أقرب نقطة لتلقى العلاج شرق قناة السويس، وكانت المسافة نحو نصف كيلومتر أو يزيد بقليل، فتطوعت بحمله ومعى زميل آخر تطوع بحمل الرجل المقطوعة ثم عبرنا قناة السويس سباحة، وفى ذلك الوقت لم يكن المجرى نظيفاً وممهداً، فالقناة بعد هزيمة 1967 كان بها سُفن غارقة وشُعب والسباحة فيها كانت صعبة للغاية ورغم ذلك عبرنا بزميلنا الغائب عن الوعى وسلمناه لوحدة العلاج.

فى ذلك الوقت آثرت أن أعود إلى غرب القناة من خلال إحدى الثغرات والممرات التى تم فتحها وقت العبور بدلاً من العودة سباحة عبر القناة، ووقتها قابلنى المصور الحربى الراحل فاروق إبراهيم، ولقيته بيقول لى: أنا عاوز أصوّرك، فرحبت فوراً ودون أى تحضير مُسبق للصورة وقفت ورفعت إصبعيّ بعلامة النصر، ماكانش فيه فى بالى غيرها، دون أى تفكير وبتلقائية شديدة، وبعد كدا المصور دا بقى صاحبى جداً وتعرفت عليه أكثر بعد 15 سنة من الحرب، وعندما رفعت يدى بعلامة النصر كنت أقصد وقتها أننا احتضنا سيناء وبقت فى إيدينا تانى، وكأن إصبعيّ يمثلان خليجى العقبة والسويس ووسطهما أرض الفيروز، سيناء.

{long_qoute_2}

ما أكثر الدروس التى استخلصتها فى حياتك الشخصية من مشاركتك فى حرب أكتوبر؟

- الوطن قبل كل شىء، وهو المصلحة العليا لنا جميعاً، فبدونه لا معنى ولا قيمة لكل المكتسبات التى نسعى إليها فى حياتنا، وعشان كدا أطالب وزير التعليم بتدريس مادة التربية العسكرية، التى يفتقدها هذا الجيل، والتى كانت تدرّس فى فترة الستينيات والسبعينيات للمرحلة الثانوية، فكانت تعلمك كيف تكون قائداً وتحمل المسئولية وتربى روح الانتماء لدى شبابنا، فالمادة دى اللى كنا بندرسها ربت فينا روح الوطنية، وخلتنى أفضل أنى أروح الجبهة وأحارب وما أقبلش التعيين وأستسهل، لأنى سألت نفسى إزاى هادرّس لتلامذتى أن أرضى محتلة؟ كان حلمى بس أنى أدرّس لهم ملحمة الثأر والانتصار.


مواضيع متعلقة