شهادة علاء شلبى: حقوق الإنسان.. وجيل جديد

كتب: الوطن

شهادة علاء شلبى: حقوق الإنسان.. وجيل جديد

شهادة علاء شلبى: حقوق الإنسان.. وجيل جديد

على النقيض من الفترة بين 1990 و2010 التى شهدت خلالها قضية حقوق الإنسان تقدماً عالمياً ومرتبة متقدمة فى سلم الأولويات، فقد شهدت السنوات السبع الأخيرة تراجعاً ملحوظاً فى أولوية حقوق الإنسان فى قائمة الاهتمامات العالمية لصالح تقدم الاهتمام بالأمن ومكافحة الإرهاب ومكافحة الهجرة وضبط تدفق المهاجرين.

لم يكن التقدم السابق بداية من عقد التسعينات تقدماً نزيهاً بالكامل، حيث جرى استخدام حقوق الإنسان كأداة ضغط لضمان الهيمنة، وهو ما دلل عليه قطعاً ازدواج المعايير فى قضايا الحقوق العربية، وبينما استمر ملف حقوق الإنسان والحريات عربياً يعانى من التذبذب بين التقدم والتراجع ما قبل انطلاق الثورات الشعبية والانتفاضات الإصلاحية فى العام 2011، فقد تراجعت وضعية حقوق الإنسان عربياً بصور حادة ومزعجة، نظراً لاستفحال النزاعات المسلحة والإرهاب والاضطراب السياسى والاحتقان الاجتماعى.

وعملياً لا يمكن الفصل بين المستويين الدولى والعربى فى التراجع، حيث جاء التدهور المتتابع بعد فشل خديعة ما سمى بـ«مسار التسوية السلمية» للصراع العربى الإسرائيلى لتقويض مسار «أوسلو» فى العام 1999، وفشل مفاوضات كامب ديفيد 2 فى العام 2000، وجلاء حقيقة أن المسار لا يحقق سوى تكريس الاحتلال الإسرائيلى، وترسيخ الهيمنة الأمريكية على المنطقة بقيادة إسرائيلية مباشرة.

وكانت ثانية الكوارث فى تدمير العراق وتقويض لُحمته الوطنية عقب العدوان الأمريكى عليه فى العام 2003، واقتسام النفوذ فيه بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما مثل ضربة البداية الرئيسية فى إطلاق أتون الصراع المذهبى فى المشرق وصولاً للكوارث التى نشهدها حالياً فى العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، وجاءت ثالثة المآسى فى هيمنة السياسة الغربية على توجهات القسم الرئيسى من النخب السياسية البازعة عقب الثورات العربية، ونجاح النفوذ الأجنبى فى تعزيز الانقسامات الوطنية لثلاث كتل رئيسية يستحيل التوفيق بينها، بما يوفر ممارسة القوى الأجنبية للنفوذ والتحكم فى دفة الأمور.

ولم تكن مصر ببعيدة عن هذه البيئة بملابساتها، فبعد أن نجحت مع تونس بفضل حكمة الشعبين فى التخلص من آثار الفوضى والاضطراب الأهلى الواسع، إلا أن مصر تورطت فى ذات الممارسات التقليدية التى انتهكت حقوقاً أساسية وقيدت المجال العام وحدت من الحريات، ولا يعود ذلك بالضرورة لإرادة سياسية أو لنوايا سلبية بقدر ما يعود إلى افتقار المستوى الوسيط فى صناعة القرار للرؤية والدراية وافتقاد الكفاءة وتخبط التوجهات فيما يتعلق بالتفاعل مع قضايا حقوق الإنسان، وهو ما دعا حقوقيين فى وقت سابق للدعوة إلى وضع قضايا حقوق الإنسان ضمن الأولويات، والدعوة لإنشاء وزارة لحقوق الإنسان لتلبية الاحتياجات التقنية، وقيادة العمل الحكومى فى ملف حقوق الإنسان، بما يشمل تصويب الأخطاء جنباً إلى جنب مع تفنيد الادعاءات غير الصحيحة التى تعمل على وضع مصر فى مصاف الدول الأسوأ فى مجال حقوق الإنسان عالمياً. ولقد شكلت مبادرات رئيس الجمهورية فى يناير 2015 وأبريل 2016 ومبادرة العفو الرئاسية نهاية 2016، وأخيراً قرارات يناير ويونيو 2018 بشأن تعزيز سياسات العفو والإفراج الشرطى ومعالجة قضايا الغارمين نموذجاً مهماً فى مدى توافر الإرادة السياسية لمعالجة ملفات حقوق الإنسان التى تبدوا معقدة ظاهرياً، وهو ما يُدلل بمفهوم المخالفة على مدى فشل المستوى الوسيط فى صناعة القرار فى النهوض بدوره فى معالجة قضايا حقوق الإنسان.

وفضلاً عن الكم الهائل من الأكاذيب والاختلاق والتضليل التى تستهدف صورة مصر العالمية فى مجال حقوق الإنسان، يجب الاعتراف بأن العديد من الممارسات الحالية تكتنفها مساوئ وأخطاء ساذجة، ومن الممكن تجنبها لو توافرت الرؤية والإدراك السليم. إن التصدى لأزمات من قبيل معالجة التكدس فى الاحتجاز وضمان مستويات عدالة موضوعية وإجرائية أفضل فى المحاكمات والتقاضى وتوسيع هامش الحريات وتعزيز مقومات المشاركة المجتمعية والسياسية، جميعها أهداف يسيرة التحقيق إذا ما توافرت الرؤية والآلية ذات الكفاءة لتحقيقها.


مواضيع متعلقة