مباحث الدراما الرمضانية!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

باستثناء ثلاثة أو أربعة أو أكثر قليلاً من أعمال درامية لرمضان هذا العام بين عشرات الأعمال التى تعج بها الشاشة يطرح السؤال نفسه: ماذا تريد أغلب هذه الأعمال؟ الدراما ليست حدوتة مصورة نراها للتسلية ما لم تكن كوميديا للضحك والسلام.. إنما الدراما قيمة مستخلصة من أى عمل من أجل إفادة الناس والمجتمع.

وعندما شاهدنا «رحلة السيد أبوالعلا البشرى» فهمنا أن العمل كله صرخة للتدهور الحاصل فى الأخلاق وأن المجتمع المصرى بقيمه وذوقه وقوته الناعمة يتعرض لهجوم ضارٍ يستحق مواجهته، ورغم أن المسلسل كان عام 86 إلا أن أحداً لم ينتبه! وشاهدنا «الراية البيضا» لنرى تغول سطوة «المال» على «الجمال» بعد أن صارت الأموال فى يد طبقة جاهلة لا قيم لها ولا تعرف إلا «قيمة» الربح والخسارة حتى لو كان على حساب تراثنا وثقافتنا وتاريخنا.. ورغم أن المسلسل كان فى أواخر الثمانينات فإن أحداً لم ينتبه!

وهكذا فى صراع الخير والشر الذى يبدأه جيل وتتوارثه أجيال فى «الشهد والدموع» ودنيا الأوهام التى تؤدى بصاحبها إلى التهلكة فى «أحلام الفتى الطائر» وتاريخنا الذى شاهدناه درامياً فى «الأيام» و«على هامش السيرة» و«محمد رسول الله» و«الفرسان» و«سليمان الحلبى» و«بوابة الحلوانى» و«رأفت الهجان» و«دموع فى عيون وقحة» وغيرها وغيرها من عشرات ومئات الأعمال التى تعيدنا إلى السؤال: ماذا تريد أن تقول أغلب الأعمال الدرامية المعروضة الآن؟

هل الضرب واستخدام القوة والدعوة للعنف كما يفعل بعض الفنانين حتى تفوقوا على «لولى» و«بروس لى» و«أميتاب باتشان» ويقتلون ميّة وألف بضربة واحدة ويقفزون من بيت إلى آخر وتطلق عليهم الأعيرة النارية ويخرجون من كل ذلك بلا إصابة واحدة بل يتم اصطيادهم وحبسهم فى محل صغير لا دخول أو خروج منه إلا بابه الوحيد إلا أن المؤلف والمخرج يا مؤمن يتدخلان على الفور ليكون الإنقاذ السريع من صديق البطل الذى وجد على الفور روافع وآلات حديدية يهدم بها الحائط الخلفى للمحل المغلق وبالطبع لا قيمة ولا يحزنون فى ذلك اللهم إلا موجات من العنف تصيب المجتمع وتقليد أعمى ككل رمضان فى بعض الأحياء الشعبية وبعض القرى الريفية التى تجد فئات بها متنفساً فتحولها إلى واقع يكون مؤلماً وحزيناً ومكلفاً جداً!

وما الفائدة من التوسع المشبوه فى صورة العلاقات غير الشرعية خارج إطار الزواج والإيحاءات الجنسية المخجلة والإشارات والإيماءات والنظرات الوقحة التى تكفى بفكرة تكرارها و«الزن» بها على عقول المشاهدين إلى تحويلها إلى واقع يجب أن يتعايش معه الناس وبالتالى يقلدونه ويفعلونه!

فى مصر رقابة على الدراما لا نعرف ماذا تفعل.. وهل من عملها أن تراقب الأعمال الدرامية منذ كتابتها فتجيزها ابتداءً أم أنها تشاهدها وتراجعها بعد تصويرها والانتهاء منها؟ أم أنها تقرأ الفكرة فقط وملخص الموضوع وكفى؟ كم الابتذال يدفع للأسئلة الأخيرة إذ لا يمكن أن تكون مرت الأعمال على أى رقيب اللهم إلا ما نشر عن منع الرقابة لمشهد «قبلة» لفنانة معروفة فى أحد الأعمال وعدد من الرقصات المثيرة الأخرى.. لكن ذلك يؤكد عدم مراجعة الرقابة للعمل أولاً قبل الشروع فى تنفيذه أسوة بالسينما.. مما شجع على محاولات تمرير هذه المشاهد فى دراما «منزلية» تصل إلى البيوت مباشرة وليست فى السينما يذهب إليها الناس وفق معاييرهم وشروطهم واحتياطاتهم!

«الأعلى للإعلام» دخل فى المواجهة وقرر قبل رمضان تشكيل لجنة تتبعه لمراقبة الشاشة قررت أن تضع بعض المعايير منها «ضرورة مراعاة الدراما لتقاليد المجتمع ومنع كل ما يحبذ أو يروج للتدخين أو يتضمن الإساءة للمرأة ووقف الأمور الخاصة بالإساءة للعقائد أو التحريض على العنف»، وبالطبع صار هذا التنبيه الآن مضحكاً وكوميدياً فلا أحد التزم به ولا أدى إلى ردع أحد، بل إن القرار الخاص بفرض غرامة قدرها ربع مليون جنيه لأى لفظ «خادش» للحياء يصدر على الشاشة لم يلق إلا السخرية والرفض، بل طالب أحد المنتجين، ينتمى لعائلة فنية، «الأعلى للإعلام» بأن يضع قائمة بهذه الألفاظ الخادشة!! وكأنه لا يعرفها!! وكأنه يخرج لسانه إلى «الأعلى للإعلام» بل ولمصر كلها التى رأت فى «الأعلى للإعلام» الحل الأخير المنقذ من هذا الجحيم الموجه ضد مجتمعنا سيؤدى فى نهاية الأمر إلى تفكيك المجتمع كله وخسارته لمناعته حينئذ قل على الوطن السلام!

برنامج واحد مثل «رامز» يحتوى على عدد من التعليقات الخادشة للحياء بل والمهينة لضيوف البرنامج وأسرهم وزوجات المشاركين وأزواج المشاركات، يكفى وحده لإفساد أمة بكاملها، ومع ذلك يخرج لسانه للمجتمع كل عام، ولو طُبقت عليه لائحة «الأعلى للإعلام» لجمع أموالاً طائلة!

الآن ما الحل؟ هذه الأعمال تقدم بفنانين مصريين وبعضها ينتج من خلال شركات غير مصرية يمكنها التحايل على الرقابة وعلى «الأعلى للإعلام»، وبالتالى لا بد من إبداع وسائل أكثر صرامة لضبط عمل الفنانين أنفسهم.. إما من خلال نقاباتهم.. أو من خلال تشريعات جديدة.. ولا بد من التصدى لعدد من الأقلام الموالية لهذا التوجه والتى تزعم الدفاع عن حرية الرأى والتعبير والإبداع ولا علاقة للأمر كله لا بحرية الرأى والتعبير ولا الإبداع ولا نجد إلا الدعوة إلى الانحطاط والمسخرة وقلة الأدب!

هذا.. ولا حل عندئذ إلا بالدعوة لشرطة ومباحث خاصة بالدراما تقدم تحرياتها أولاً بأول وتراقب التصوير حلقة حلقة وتتفضل بحماية المجتمع تماماً كما تحميه من المخدرات والجريمة.. إذ ستحميه وقتئذ من الدعوة إلى المخدرات والجريمة!