«البهنسا»: هنا «بقيع مصر».. ذِكْر وبركة و«دحرجة على الرمال»

«البهنسا»: هنا «بقيع مصر».. ذِكْر وبركة و«دحرجة على الرمال»
- أداء الصلاة
- أداء صلاة الجمعة
- أشعة الشمس
- ألعاب الأطفال
- الباعة الجائلون
- التوك توك
- الجيش الإسلامى
- الساعة الثانية ظهراً
- آثار
- آيلة للسقوط
- أداء الصلاة
- أداء صلاة الجمعة
- أشعة الشمس
- ألعاب الأطفال
- الباعة الجائلون
- التوك توك
- الجيش الإسلامى
- الساعة الثانية ظهراً
- آثار
- آيلة للسقوط
مع الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة فى قرية «البهنسا» التابعة لمركز بنى مزار، يبدأ الزوار التوافد على المنطقة التى تضم الآلاف من قباب وقبور صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والتابعين الذين استشهدوا أثناء فتح مصر، و«قبة السبع بنات» الشهيرة، وسط الصحراء.
ومن مختلف مناطق المحافظة والمحافظات المجاورة يحرص الأهالى على زيارة «البهنسا»، التى اشتُهرت باسم «بقيع مصر»، مُستقلين وسائل مواصلات مختلفة مثل «التوك توك والتروسيكل والميكروباص ونصف النقل والأجرة»، ما يترك أثره على الشارع المؤدى لمنطقة المقابر، الذى يمتلئ عن آخره بالسيارات، وينتظر السائقون خروج الزوار فى نهاية اليوم لنقلهم مرة أخرى إلى بلدانهم.
أمام إحدى المقابر يقف «عيد شعبان»، مُسن يرتدى جلباباً، جاء من عزبة «جابر» التابعة لمركز «مغاغة» بصحبة 9 من أفراد أسرته، فى الثامنة صباحاً؛ لزيارة «البهنسا»، لإتمام العادة السنوية، التى يحل موعدها فى شهر رجب، ويقول: «كل اللى هنا أثرى، والمكان فيه ريحة الصحابة، ده غير شجرة السيدة مريم اللى قعدت جنبها أثناء مرورها بمصر فى رحلة العائلة المقدسة، والمقابر دى كلها لناس بتاعة ربنا بنتبارك بيهم». وعن شعوره أثناء زيارة مقابر الصحابة يتابع «شعبان» بنبرة هادئة: «برتاح نفسياً لما آجى المكان ده وأدعو الله وأقرأ الفاتحة هنا، لأنى مش قادر ماديا أروح حج أو عمرة»، مشيراً إلى أنه بعد أداء صلاة الجمعة يذهب لشراء «فول وترمس ولعب» لأحفاده.
{long_qoute_1}
وبنبرة غاضبة من تردى أوضاع «أضرحة ومقابر وقباب الصحابة»، يقول: «بقت كلها مشرخة، رغم إنه بيزورها آلاف، وكل المقابر والقباب عايزة تترمم، ولازم وزارة الآثار تتبنى إصلاحها، للمحافظة عليها، ولأن وضعها الحالى خطر على الزوار، ولازم كمان الناس تحافظ عليها، دى لو كانت فى أى دولة تانية كانوا اهتموا بها أكثر من كده».
قبل صلاة الجمعة تتجه السيدات إلى مقام «عبدالله التكرورى» الذى تكاثرت حوله الأقاويل والأساطير، قائلين إن هناك ظلاً على شكل فارس ومعه حصان يظهر على الحائط من داخل المقام أثناء صلاة الجمعة. وداخل المقام تقف سيدة مُسنة ومعها صندوق لجمع أموال الصدقات من الزوار، فيما تطوف السيدات حول الضريح ويهتفن «الصلاة على النبى.. شىء لله يا شيخنا»، مع الزغاريد التى تطلقها بعض السيدات، فيما تمسح أخريات وجوه أطفالهن بالقماش المغطى به الضريح للتبرك به.
ومع ارتفاع أذان الجمعة من مسجد «سيدى على الجمام»، قاضى قضاة ولاية البهنسا فى عصره، يتجه الرجال إلى المسجد للاستماع إلى الخطبة وأداء الصلاة، وتنتظرهم سيدات يفترشن الأرض فى المساحات الفارغة بين المقابر والقباب أسفل المظلات القماشية التى تحميهم من أشعة الشمس، وبجوار شجرة السيدة مريم العذراء.
عقب انتهاء صلاة الجمعة وقف «إبراهيم جعفر» (69 عاماً)، بصحبة أحد جيرانه الذى جاء معه من «منشية اليوسف» بالبهنسا، لزيارة الصحابة والأولياء، حيث يحرص «جعفر» على تلك الزيارة أيام الجمعة وفى الأعياد والمناسبات الدينية، بشكل منتظم، ويقول: «الناس بتيجى هنا عشان مقابر الشهداء أصحاب رسول الله، وشجرة مريم دى طلعنا لقيناها كده، ولأن البهنسا بقعة أرض طاهرة». ويستكمل حديثه قائلاً: «متعود آجى هنا أنا وزميلى باستمرار، وبجيب معايا أسرتى وزوجتى لكن هما بيزوروا القبور ويمشوا يقعدوا فى العربية بره، وأنا اللى بفضل قاعد شوية هنا»، ويؤكد جعفر أنه يشعر بالارتياح أثناء زيارة القبور والاستماع إلى المشايخ والصلاة والدعاء قرب قبور الصحابة.
{long_qoute_2}
وفى إحدى حلقات الذكر، يجلس الشيخ «أحمد عبدالعال» على الأرض مُرتدياً جلباباً ويقول: «أول مرة النهارده أزور البهنسا وأشوف شواهد صحابة رسول الله، والجو هنا جميل جداً، والواحد كأنه قاعد عند سيدنا محمد، انا جمعت أصحابى وجيرانى وجينا مع بعض من بنى سويف، واتفقنا نقضى يوم كامل من بدايته فى البهنسا وسط الصحابة»، ويعتزم «عبدالعال» زيارة البهنسا كل أسبوعين فى الفترة المقبلة، قالها وهو يستعد للذكر، حيث اصطف الرجال فى صفين أمامه وتفاعلوا معه بشكل كبير مرددين «العظمة والعرش لمن.. لله لله»، «حبيبى يا رسول الله.. شفيعى يا رسول الله».
وفى الساحة، بجوار مسجد «سيدى على الجمام» يقف محمد شحاتة، مفتش آثار البهنسا؛ لمتابعة الوضع داخل المنطقة الأثرية، ويقول عن تاريخ المنطقة: «إن سبب شهرة البهنسا هى زيارة مقابر الصحابة التى تسمى (بقيع مصر)»، ويضيف أنه أثناء فتح البهنسا كان عدد جيش البطالمة يتعدى 150 ألفاً فى المقابل كان عدد جيش المسلمين نحو 10 آلاف، وكانت المعركة حامية، وسيدنا عمر بن الخطاب قال عقب فتح حصن بابليون بالقاهرة إن الصعيد ينفتح لكم كاملاً إذا فتحتم البهنسا فى المنيا وإهناسيا فى بنى سويف، واستشهد فى تلك المعركة نحو 4 آلاف صحابى وفى روايات أخرى نحو ألفين، وكانت البهنسا تضم من الفشن ببنى سويف حتى ديروط فى أسيوط.
ولفت «شحاتة» إلى وجود قبور لصحابة معروفين، أمثال محمد بن عبدالرحمن بن أبى بكر، وأبان بن عثمان بن عفان، مشيراً إلى أن هناك قبر العالم على الجمام لكنه يرجع للعصر العثمانى وكان قاضى قضاة البهنسا، وعبدالله التكرورى أحد العلماء ويرجع إلى العصر المملوكى، ويُقال إنه كان له كرامات أثناء حياته، مضيفاً: «المنطقة تحتاج ترميماً لأن هناك قباباً فى البهنسا آيلة للسقوط، وكل شتاء بنقول ربنا يسترها عشان الأمطار، لأن القباب بها تشققات كثيرة».
عقب زيارة قبور الصحابة يتجه بعض الزائرين من الرجال والنساء نحو «قبة السبع بنات» وهى منطقة وسط الصحراء يتبارك بها الناس عن طريق التدحرج على الرمال، حيث تُقسم المنطقة لنصفين، أحدهما للرجال وآخر للسيدات. أحد من مارسوا التدحرج «هريدى محمد» (44 عاماً)، من مركز مطاى، يقول: «هنا فى السبع بنات اللى نفسه فى حاجة بيدعى ربنا ويدحرج على الرملة ويتمنى إن ربنا يتقبل دعاءه، وده مجرد سبب نتبارك به، وده اللى سمعناه من آبائنا وأجدادنا، وأبدأ بوضع اليد خلف الضهر وأدعو من قلبى وبلاقى نفسى بدحرج لحد ما أقف». ويضيف: «نأتى لزيارة أهالينا المتوفين ونمر على قبور الصحابة والسبع بنات، والواحد لما بيجى هنا بينسى الدنيا شوية ويريح قلبه، والمكان هنا طاهر وبنتبارك به من وإحنا صغيرين بنيجى هنا، وبندعى ربنا فى كل اللى بنتمناه ونقرأ الفاتحة ولو فى استطاعة الواحد بنطلّع صدقات».
{long_qoute_3}
محمد سيد، أحد مفتشى الآثار بمنطقة البهنسا، يتحدث عن تدحرج الرجال والسيدات على الرمال فى الصحراء قائلاً: «يأتى الرجال والسيدات للدحرجة على الجبل، على سبيل المثال سيدة تتدحرج رغبة فى الإنجاب، أو رجل مُصاب بمرض نادر، وكل شخص على حسب أمنيته».
وعن «قبة السبع بنات» قال إن حكايتهن تتلخص فى أن البهنسا كانت حصناً كبيراً من الحصون الرومانية، وأثناء الفتح الإسلامى لمصر تقدمت الحامية الرومانية على الجيش الإسلامى وغارت عليهم، وفى ذلك الوقت تقهقر الجيش الإسلامى، للخلف وكانت هناك مجموعة من السيدات يُقال إن عددهن 7 سيدات أو 70 أو 700، ارتدين ملابس الفرسان وانضممن للجيش الإسلامى، وهجمن على الحامية الرومانية فتقهقرت للخلف، ونجحن فى الهجوم، ويُقال إن إحداهن أزالت الغطاء عن وجهها ولاحظ الرومان أنهن سيدات فهجموا عليهن مرة أخرى وقتلوهن، وأنه كان لوقت قريب منطقة تسمى «مجرى الحصى» عليها آثار دماء الفتيات وفى النهاية دُفنّ فى منطقة «قبة السبع بنات».
الباعة الجائلون يفترشون الأرض داخل وخارج أسوار منطقة قبور الصحابة، ومُسن يرتدى عمامة وجلباباً يجلس أمام منضدة حديدية يبيع عليها الحلوى «مشبك وهريسة وبسبوسة»، وآخرون يقفون فى طابور أمام عربة كشرى يقف عليها رجل آخر يضع الكشرى فى أطباق بلاستيكية، وفى الجهة الأخرى ازدحام شديد أمام فرشة لألعاب الأطفال، وشاب قد حوَّل الموتوسيكل إلى عربة فول وطعمية.
بين هؤلاء الباعة، وعلى فرشة بيع فول سودانى وحمص وحلويات، خارج أسوار مقابر الصحابة، تجلس «لبنى محمد» أمام بضاعتها التى حصلت عليها مُقابل قرض من البنك وتنتظر بيعها للحصول على مكسب تنفق منه على أسرتها ووالدتها المريضة مع رد القرض البنكى، حسب «لبنى» التى جاءت من مركز مغاغة، قائلة: «بقف على الفرشة كل يوم جمعة وفى الأعياد والمناسبات والموالد، وبنزل مع أمى أساعدها لأنها ست كبيرة ومبتقدرش تقعد تبيع، وإحنا معندناش أصلاً شغلانة غير دى هى اللى بتأكلنا عيش ولو قعدنا يوم فى البيت مش هنلاقى ناكل، والفرشة بتصرف على الست الكبيرة وعلاجها وعيالها وأحفادها كمان»، وعن أسعار الحلوى تقول «لبنى»: «كيلو الفول بـ18 جنيه وبيبعه بالسعر ده عشان بس نقدر نبيع، والحمص الكيلو بـ40 جنيه، وكيس الحلويات بـ5 جنيه».
«بنستلف من البنك عشان نقدر نشترى البضاعة دى، ولما بنبيعها بناخد المكسب اللى بيطلع عشان نسد بيه السلف اللى أخدناها عشان نشترى البضاعة».. قالتها «لبنى» وعيناها تمتلئان بالدموع، وتابعت: «هى ماشية بالطريقة دى ومش قدامنا شغلانة تانية». ومع الساعة الثانية ظهراً يبدأ غالبية الأسر والعائلات فى مغادرة البهنسا واستقلال سيارات الأجرة والميكروباصات للعودة إلى منازلهم، لينتهى معها اليوم، وينتظر عدد قليل منهم فى المنطقة للمغادرة مع غروب الشمس.